الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والضرب الثاني أن تكون دعوى رقه بعد التقاطه ، فلا تسمع هذه الدعوى إلا ببينة ، لا يختلف أصحابنا فيه ، سواء ادعاه ملتقطه أو غيره ، وفرق ما قبل التقاطه وبعده أن قبل الالتقاط لم تستقر عليه يد وبعد الالتقاط قد استقرت عليه يد ، وإذا كان كذلك فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون مدعي رقه هو الملتقط .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون غيره من الأجانب ، فإن كان المدعي هو الملتقط ، فلا يخلو من أحد أمرين : إما أن تكون له بينة أو لا تكون ، فإن لم تكن له بينة كانت دعواه مردودة واللقيط على ظاهر الحرية لم يثبت عليه رق ويقر في يده مع ماله إن كان ولا ينزع منه ، وإن كان مدعيا له لما استحقه من كفالته بالالتقاط ، هذا الذي نقله المزني في جامعه الكبير ، والذي أراه أولى أن انتزاعه من يده واجب : لأنه قد خرج بدعوى رقه من الأمانة في كفالته وربما صارت عليه استدامة يده ذريعة إلى تحقيق رقه ، وإن كانت له بينة فعلى ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تشهد له باليد ، فلا يحكم بها : لأن اليد شاهدة وليس يحكم بها للعلم بسببها فلم يكن للشهادة بها تأثير .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن تشهد البينة له بالملك ، فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تصف سبب الملك على وجه يوجب الملك ، وذلك من أحد خمسة أوجه : إما ابتياع من مالك ، أو هبة قبضها من مالك ، أو ميراث عن مالك ، أو بسبي سباه فملكه ، أو ولدته [ ص: 62 ] أمته في ملكه ، فإن كانت البينة على البيع أو الهبة أو الميراث أو السبي حكم فيها بشاهدين ، أو شاهد وامرأتين ، أو شاهد ويمين ، ولا يحكم بشهادة النساء منفردات ، وإن كانت الشهادة على أن أمته ولدته سمع فيه أربع نسوة يشهدن على ولادتها في ملكه ، وتكون شهادتين بملك الأم عند الولادة تبعا للشهادة بالولادة ، وإذا لم يكن في ملك الأم نزاع ، فإن نوزع في ملكه الأم لم تقبل شهادتان بملك الأم حتى يشهد بملكها شاهدان أو شاهد وامرأتان أو شاهد ويمين ، ثم إن شهدن بعد ذلك بولادتها في ملكه قبلن ، ولو شهد شاهدان أو شاهد وامرأتان بالملك والولادة فيه قبل ، فأما إن شهدت البينة بولادته من أمته ولم تشهد بأن الولادة كانت في ملكه ، فهذا مما لم يذكر فيه سبب ملكه : لأنه قد يجوز أن تكون أمه قد ولدته في ملك غيره ، فإذا ثبت هذا وشهدت البينة له بسبب الملك الموجب للملك حكم بها وصار عبدا له .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن تشهد البينة له بالملك ولا يذكر سبب الملك ، ففي وجوب الحكم بها قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يحكم بها ويجعل اللقيط عبدا له ولا يلزم أن يسألوا عن سبب الملك ، كما لو شهدوا بملك مال لم يذكروا سبب ملكه كان جائزا ، فكذلك في ملك اللقيط .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن لا يحكم بهذه الشهادة في اللقيط حتى يذكروا سبب ملكه ويحكم بها في غيره من الأموال ، وإن لم يذكروا سبب ملكه والفرق بينهما من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن حكم اللقيط أغلظ من سائر الأموال لما فيه من نقله عن ظاهر حاله في الحرية إلى ما تشهد له البينة من الرق ، وليس كذلك سائر الأموال : لأنها مملوكة في سائر الأحوال . والثاني : أن اليد في الأموال تدل على الملك ، وفي اللقيط لا تدل على الملك ، فإن قيل : فيجوز للشهود في الأموال أن يشهدوا فيها بالملك باليد وحدها قيل : أما يد لم يقترن بها تصرف كامل فلا تجوز الشهادة بها في الملك ، وأما إذا اقترن بها تصرف فقد اختلف أصحابنا ، فحكى أبو علي الطبري في إفصاحه وجهين عن غيره ووجها ثالثا عن نفسه .

                                                                                                                                            أحد الوجهين يجوز كما يجوز للحاكم ، والحكم أوكد من الشهادة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يجوز ذلك للشهود وإن جاز للحاكم : لأن للحاكم أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا .

                                                                                                                                            والوجه الثالث الذي حكاه عن نفسه : أنه إن اقترن بمشاهدة اليد والتصرف سماع من الناس ينسبونه إلى ملكه جاز أن يشهدوا بالملك ، وإن لم يسمعوا الناس ينسبونه إلى ملكه لم يجز أن يشهدوا بالملك وشهدوا باليد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية