الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " ولو أوصى أن يباع ، أو دبره ، أو وهبه كان هذا رجوعا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : قد ذكرنا أن للموصي الرجوع في وصيته متى شاء ، وأن الرجوع قد يكون بقول أو دلالة أو فعل .

                                                                                                                                            فأما القول فهو أن يقول صريحا : رجعت في وصيتي ، أو قد أبطلتها ، فيكون ذلك رجوعا منه وتبطل به وصيته .

                                                                                                                                            وأما دلالة الفعل فقد ذكر الشافعي في هذا الفصل ثلاث مسائل :

                                                                                                                                            أحدها : أن يوصي ببيعه .

                                                                                                                                            والثانية : أن يدبره .

                                                                                                                                            والثالثة : أن يهبه .

                                                                                                                                            فأما البيع فعلى ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يتولاه في حياته .

                                                                                                                                            والثاني : أن يوصي به بعد موته ، فإن باعه في حياته كان هذا رجوعا ؛ لأن الوصية إنما تصح إذا انتقلت عن ملك الموصي بموته إلى ملك الموصى له بقبوله والبيع قد أزال ملكه عنها فلم يصح بقاء الوصية به .

                                                                                                                                            فلو اشتراه بعد بيعه لم تعد الوصية به لبطلانها بالبيع ، وخالف المفلس إذا اشترى ما أباعه في رجوع البائع به في أحد الوجهين .

                                                                                                                                            والابن إذا اشترى ما باعه في هبة أبيه في رجوع الأب به في أحد الوجهين .

                                                                                                                                            [ ص: 312 ] والفرق بينهما : أن رجوع الأب فيما وهبه لابنه ورجوع البائع على المفلس بعين ماله حق لهما ، ليس للابن ولا للمفلس إبطال ذلك عليهما ، فكذلك لم يكن بيعهما وعوده إلى ملكهما مانعا من الرجوع بذلك عليهما وليس كذلك الوصية ؛ لأن للموصي إبطالها ، فإذا بطلت بالبيع لم تعد بالشراء .

                                                                                                                                            ولكن لو أن الموصي عرض ذلك للبيع ، ففي كونه رجوعا في الوصية وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون رجوعا في الوصية ؛ لأن تعريضه للبيع دليل على قصده للرجوع ، وهذا قول أبي إسحاق المروزي .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يكون رجوعا في الوصية لبقائها على ملكه .

                                                                                                                                            فأما إذا أوصى أن يباع بعد موته ، فهذا على ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يقول بيعوه بعد موتي ، ولم يذكر بكم يباع ولا على من يباع ، فالوصية بهذا البيع باطلة والورثة بالخيار إن شاءوا باعوه وإن شاءوا تمسكوا به ؛ لأنه لم يعين من تصح له الوصية فيه ، لكن يستفاد بذلك إبطال الوصية وأن تكون ملكا لورثته .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يوصي ببيعه على زيد بثمن ذكره يعلم أن فيه محاباة فالوصية بهذا البيع جائزة ، ثم مذهب الشافعي أن يكون رجوعا عن الوصية الأولى وكان بعض أصحابنا يقول : إنه يحمل على الوصيتين جميعا كما لو أوصى به لزيد ، ثم أوصى به لعمرو .

                                                                                                                                            قال : ويكون بينهما على قدر المحاباة في الثمن ، فإن كانت المحاباة بنصف ثمنه صار كأنه قد أوصى بجميعه لزيد ، ثم أوصى بنصفه لعمرو ، فيكون بينهما أثلاثا وإن كانت المحاباة بثلث ثمنه كانت بينهما أرباعا .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يوصي ببيعه على زيد ولا يذكر قدر ثمنه الذي يباع عليه به ، فهو بذلك مبطل لوصيته الأولى وفي صحة وصية بيعه على زيد وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : باطلة ؛ لأنه لم ينص على ثمن تكون المحاباة فيه وصية ويكون الخيار للورثة في بيعه وإمساكه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن الوصية جائزة ؛ لأنها تتضمن قصد تملكه إياه ويباع عليه بثمن مثله إن اشتراه .

                                                                                                                                            وأما المسألة الثانية فهو تدبير ما أوصى به ، فإن قلنا : إن التدبير عتق بصفة ، كان تدبيره رجوعا في الوصية وإن قلنا : إنه كالوصية ، فإن قلنا بتقديم الوصية بالعتق على الوصية بالتمليك ، كان التدبير رجوعا في الوصية ، وإن قلنا : إن الوصية بالعتق والتمليك سواء ، ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما وهو قول أبي علي الطبري : أنه يكون نصفه وصية ونصفه مدبرا كما لو أوصى بالثاني بعد أول ، كان بينهما نصفين .

                                                                                                                                            [ ص: 313 ] والوجه الثاني وهو قول أبي إسحاق المروزي : أنه يكون جميعه مدبرا ورجوعا عن الوصية ؛ لأن عتق التدبير ناجز بالموت ، فيقدم على الوصايا ، كالناجز من العطايا .

                                                                                                                                            وإن قدم تدبيره ثم أوصى به ، فإن قلنا : إن التدبير عتق بصفة لا يجوز الرجوع فيه ، كان على تدبيره وكانت الوصية باطلة ، وإن قلنا إنه كالوصايا نظر ، فإن قال : العبد الذي دبرته قد أوصيت به لزيد ، كان رجوعا في تدبيره وموصيا بجميعه ، وإن لم يكفل ذلك ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما وهو قول ابن أبي هريرة : أنه يكون نصفه باقيا على تدبير ونصفه موصى به .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وهو قول أبي إسحاق المروزي : أن تدبيره أقوى من الوصية ويكون على التدبير .

                                                                                                                                            ولو أوصى بعتقه ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون رجوعا عن الوصية الأولى وموصا بعتقه ، وهذا قول أبي إسحاق المروزي .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : يكون رجوعا عن الوصية بصفة وموصا بعتق نصفه ، وهذا قول ابن أبي هريرة .

                                                                                                                                            ولو قدم الوصية بعتقه ، ثم أوصى به لزيد ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون موصى بعتقه والوصية به بعد ذلك باطلة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن نصفه يكون موصى بعتقه ونصفه موصى بملكه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية