الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " فإذا اجتمعوا فالفقراء الزمنى الضعاف الذين لا حرفة لهم ، وأهل الحرفة الضعيفة الذين لا تقع في حرفتهم موقعا من حاجتهم ولا يسألون الناس . ( وقال ) وفي الجديد زمنا كان أولى أو غير زمن سائلا أو متعففا ( قال الشافعي ) والمساكين السؤال ، ومن لا يسأل ممن له حرفة لا تقع منه موقعا ولا تغنيه ولا عياله . وقال في الجديد سائلا كان أو غير سائل ( قال المزني ) أشبه بقوله ما قاله في الجديد : لأنه قال : لأن أهل هذين السهمين يستحقونهما بمعنى العدم ، وقد يكون السائل بين من يقل معطيهم وصالح متعفف بين من يبدونه بعطيتهم .

                                                                                                                                            قال الماوردي : اعلم أن الفقر والمسكنة اسمان يشتركان من وجه ويفترقان من وجه ، فأما الوجه الذي يشتركان فيه فهو الضعف ، وأن كل واحد منهما إذا أفرد بالذكر شاركه الآخر فيه حتى لو وصى بثلث ماله للفقراء شاركهم المساكين ، ولو وصى به للمساكين شاركهم الفقراء .

                                                                                                                                            وأما الوجه الذي يفترقان فيه فهو أنه إذا جمع بينهما تميزا ، ثم اختلف في تميزهما عند الاجتماع هل يكون التمييز بينهما باختلافهما في الحاجة ، أو باختلافهما في الصفة ؟ فذهبت [ ص: 488 ] طائفة إلى تميزها بالاختلاف في الصفة مع تساويهما في الضعف والحاجة ، ومن قال بهذا اختلفوا في الصفة التي بها وقع التمييز بينهما على أربعة أقاويل :

                                                                                                                                            أحدها : أن الفقير هو المحتاج المتعفف عن السؤال والمسكين هو المحتاج السائل ، وهذا قول ابن عباس والحسن والزهري .

                                                                                                                                            والثاني : أن الفقير هو ذو الزمانة ، والمسكين هو الصحيح الجسم من أهل الحاجة ، وهذا قول قتادة .

                                                                                                                                            والثالث : أن الفقراء هم المهاجرون والمساكين غير المهاجرين ، وهذا قول الضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي .

                                                                                                                                            والرابع : أن الفقراء من المسلمين والمساكين من أهل الكتاب ، وهذا قول عكرمة .

                                                                                                                                            وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء إلى أن تمييزهما بالاختلاف في الضعف والحاجة وإن تساويا في الصفة ، وأن أحدهما أسوأ حالا من الآخر ، فبذلك تميز عنه ، ثم اختلفوا في أيهما أسوأ حالا الفقير أو المسكين ، فذهب الشافعي إلى أن الفقير هو أسوأهما حالا وهو الذي لا شيء له ، أو له يسير تافه لا يؤثر في قدر حاجته .

                                                                                                                                            والمسكين : هو الذي له ما يؤثر في حاجته ويقتصر على كفايته ، فإذا كانت كفاية الواحد عشرة ، فإن وجدها فليس بمسكين ولا فقير ، وإن عدمها أو وجد أقلها كان فقيرا ، وإن وجد أكثرها كان مسكينا وهذا في أهل اللغة قول الأصمعي ، وقال أبو حنيفة : المسكين أسوأ حالا من الفقير ، فالمسكين عنده على صفة الفقير عندنا والفقير عنده على صفة المسكين عندنا ، وهو في أهل اللغة قول الفراء وثعلب واختاره أبو إسحاق المروزي من أصحابنا استدلالا بقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة [ البلد : 16 ] أي ملصقا بالتراب لضره وعريه ؛ وليس أحد أسوأ حالا ممن هذه صفته ، فدل على أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وبقوله تعالى : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين [ البقرة : 177 والسائل أحسن حالا فدل على أن المسكين أسوأ حالا ، ولأن الله تعالى خص بمصرف أموال الطهرة من ذوي الحاجات من القرب والكفارات على المساكين دون الفقراء ، فدل تخصيصهم بالذكر على اختصاصهم بسوء الحالة .

                                                                                                                                            قالوا : وقد حكي عن يونس قال : قلت لأعرابي أمسكين أنت ؟ فقال : لا والحمد لله ، بل فقير ، فدل على أن الفقير أحسن حالا من المسكين : لأن الحمد يكون على أحسن الحالين ويدل على هذا أيضا قول :


                                                                                                                                            أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سيد



                                                                                                                                            فسماه فقيرا وله حلوبة هي وفق عياله .

                                                                                                                                            [ ص: 489 ] ودليلنا قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين [ التوبة : 60 ] فبدأ بذوي الحاجات بالفقراء والبداية تكون بالأهم فاقتضى أن يكون الفقر أسوأ حالا وقال تعالى : ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله [ فاطر : 15 ] ولم يقل المساكين ؛ فدل على أن الفقير أمس حاجة وأسوأ حالا من المسكين وقال تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر [ الكهف : 79 ] فسماهم مساكين ولهم سفينة ، فدل على أن المسكين أحسن حالا .

                                                                                                                                            وروى أبو زهرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين المتعفف ، اقرءوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا ، فكان هذا نصا في أن المسكين أحسن حالا .

                                                                                                                                            وروى أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كاد الفقر أن يكون كفرا ، وكاد الحسد أن يغلب القدر ، فكان هذا نصا على أن الفقير أسوأ حالا .

                                                                                                                                            وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين فدل على أن المسكين أحسن حالا .

                                                                                                                                            وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه كان يتعوذ من الفقر اللازب ، يعني : اللازم ، فدل على أن الفقير أسوأ حالا .

                                                                                                                                            وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال : ليس المسكين الذي لا مال له ، ولكن المسكين الأخلق الكسب قال ابن علية : الأخلق الكسب : المحارف ؛ ولأن في اشتقاق الفقر والمسكنة دليلا على أن الفقر أسوأ حالا من المسكنة .

                                                                                                                                            أما الفقر فقد اختلف في اشتقاقه فقال قوم : هو مشتق من انكسار الفقار وهو الظهر الذي لا تبقى معه قدرة .

                                                                                                                                            وقال آخرون : هو مشتق من الفاقة ومن قوله تعالى : تظن أن يفعل بها فاقرة [ القيامة : 25 ] وفيها ثلاثة تأويلات : [ ص: 490 ] أحدها : أنها [ الفاقرة ] الداهية العظمى ، وهو قول مجاهد .

                                                                                                                                            والثاني : أنها الهلاك المستأصل ، وهو قول السدي .

                                                                                                                                            والثالث : أنه الشر المحلى ، وهو قول قتادة ؛ وعلى أي التأويلات كان فهو للمبالغة في سوء الحال .

                                                                                                                                            وأما المسكنة فقد اختلف في اشتقاقها فقال قوم : هي مشتقة من التمسكن وهو الخضوع ، وقال آخرون : هي مشتقة من السكون : لأن المسكين ما يسكن إليه ، فدل على أنه أحسن حالا ، ولأن شواهد أشعار العرب تدل على ذلك ، أنشد ابن الأعرابي لبعض العرب :


                                                                                                                                            هل لك في أجر عظيم تؤجره     تغيث مسكينا قليلا عسكره
                                                                                                                                            عشر شياه سمعه وبصره     قد حدث النفس بمصر يحضره



                                                                                                                                            فسماه مسكينا وله عشر شياه ، فدل على أن للمسكين مالا وأنه أحسن حالا .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة [ البلد : 16 ] فهو أن المراد بالمسكين هاهنا الفقير : لأنه لم يطلق ذكره ، ولكن قيده بصفات الفقراء ، وقد ينطلق اسم المسكين على الفقير كما ذكرنا ، وإنما كلامنا في المسكين الذي قد أطلقت صفته .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن الآية الأخرى فهو أن السائل لا يكون أحسن حالا من المتعفف : لأنه قد يسأل فيحرم ويتعفف فيعطى .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قول الأعرابي : لا والحمد لله أنا فقير ، فهو إذا أبان بذلك منزلته في الشكر مع شدة الضر .

                                                                                                                                            وأما الشعر فلا دليل فيه : لأنه بعد أخذ الحلوبة سماه فقيرا حين لم يترك له سيد ، فإذا ثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين فقد يكون الفقير سائلا وغير سائل ، وقد يكون المسكين سائلا وغير سائل ، وهو معنى قول الشافعي في الجديد والقديم من التسوية فظن المزني أن قوله قد اختلف فيه فجعل الجديد أولى وليس كما ظن ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية