الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وتفض جميع السهمان على أهلها كما أصف إن شاء الله تعالى كان الفقراء عشرة والمساكين عشرين والغارمون خمسة وهؤلاء ثلاثة أصناف ، وكان سهمانهم الثلاثة من جميع المال ثلاثة آلاف فلكل صنف ألف ، فإن كان الفقراء يغترفون سهمهم كفافا يخرجون به من حد الفقر إلى أدنى الغنى أعطوه ، وإن كان يخرجهم من حد الفقر إلى أدنى الغنى أقل وقف الوالي ما بقي منه ، ثم يقسم على المساكين سهمهم هكذا وعلى الغارمين سهمهم هكذا وإذا خرجوا من اسم الفقر والمسكنة فصاروا إلى أدنى اسم الغنى ومن الغرم فبرئت ذممهم وصاروا غير غارمين فليسوا من أهله " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح قد ذكرنا أن مال الصدقات مقسوم على الموجودين من أهلها ، فإن كملوا قسمت على ثمانية أسهم وإن قلوا قسمت على من وجد منهم ، فإن كان الموجودون بعد العاملين ثلاثة أصناف : الفقراء والغارمون والمساكين ، قسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية ، سواء تساوى أصناف في الأعداد والحاجة أو تفاضلوا ، فإذا كان الفقراء على المثل الذي صوره الشافعي عشرة والمساكين عشرين والغارمون خمسة وقد قسمت الصدقة على ثلاثة أسهم متساوية ، فكان كل سهم منها ألف درهم قسم سهم الفقراء عليهم وهو الألف على قدر حاجاتهم ، فإنه ربما تفاضلت حاجاتهم وربما تساوت ، فيقسم على الحاجة لا على العدد ، وكذلك سهم المساكين يقسم بينهم على قدر حاجاتهم ويقسم سهم الغارمين على قدر ديونهم ، كما يقسم مال المفلس بين غرمائه على قدر ديونهم لا على أعداد رءوسهم .

                                                                                                                                            فإن قيل : فأيهم يبدأ بالعطاء قبل أن يعجل حضور أحدهم وتأخر الباقون بدأ بمن تعجل حضوره على من تأخر وإن حضروا جميعا ، فقد قيل : يبدأ بأشدهم حاجة وأمسهم [ ص: 518 ] ضرورة ، وقيل : يبدأ بمن إذا فيض عليهـم سهمهم بقيت منه بقية لتقضى على الباقين قبل القسمة ، فلا يحتاج فيها إلى استئناف قسمتها منه .

                                                                                                                                            وقيل : يبدأ بمن بدأ الله تعالى به في آية الصدقات على ترتيبهم فيها ، فأما الصنف فيبدأ بأسبق أهله ، فإن جاءوا معا بدأ بأمسهم حاجة وضرورة ، فإن تساووا بدأ بمن يرى ، هذا كله من طريق الأولى وبأيهم بدأ من الأصناف والأعيان جاز ، ثم يقسم سهم الفقراء وهو ألف عليهم وهم عشرة بحسب حاجاتهم ، ويقسم سهم المساكين وهو ألف عليهم وهم عشرون بحسب حاجاتهم ، ويقسم سهم الغارمين وهو ألف عليهم وهم خمسة بحسب ديونهم ، مثال ذلك أن يكون دين أحدهم مائة درهم ، ودين الآخر مائتي درهم ، ودين الثالث ثلاثمائة درهم ، ودين الرابع أربعمائة درهم ، ودين الخامس خمسمائة درهم ، فيكون مبلغ دينهم ألف درهم وخمسمائة ، وسهمهم ألف درهم هي ثلثا دينهم فيعطي كل واحد من دينه ثلثه ، ولو كان سهمهم ألف درهم وخمسمائة درهم لكان كافيا لجميعهم فيعطي كل واحد جميع دينه ، ولو كان سهمهم ألفي درهم أعطي كل واحد منهم قدر دينه وحبس الباقي عنهم ، وكذلك يفعل بالفقراء والمساكين .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية