الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإنما يسهم للفرس إذا حضر صاحبه شيئا من الحرب فارسا ، فأما إذا كان فارسا - إذا دخل بلاد العدو - ثم مات فرسه أو كان فارسا بعد انقطاع الحرب وجمع الغنيمة ، فلا يضرب له ولو جاز أن يسهم له : لأنه ثبت في الديوان حين دخل لكان صاحبه إذا دخل ثبت في الديوان ، ثم مات قبل الغنيمة أحق أن يسهم له " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح .

                                                                                                                                            وهذه المسألة تشتمل على فصلين :

                                                                                                                                            أحدهما : فيمن دخل أرض العدو فارسا ثم نفق فرسه أو باعه أو أجره قبل حضور الوقعة حتى حضرها راجلا ، لم يسهم له .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : يسهم له إذا زال عن ملكه بعد دخول الحرب وإن لم يشهد الوقعة .

                                                                                                                                            وقال محمد بن الحسن : إن زال ملكه عنه بغير اختياره كنفاقه أو سرقته ، أسهم له ، وإن زال باختياره كبيعه أو هبته لم يسهم له . وقد روي عن أبي حنيفة مثله ، وروي عنه مثل قولنا ، فصار عن أبي حنيفة ثلاث روايات أشهرها الأولى .

                                                                                                                                            والفصل الثاني : فيمن دخل أرض العدو راجلا ، ثم ملك قبل تنقضي الحرب فرسا بابتياع ، أو هبة فحضر به الوقعة أسهم له .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يسهم له اعتبارا في استحقاق السهم بدخول دار الحرب فارسا في الفصلين معا استدلالا لقوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ الأنفال : 60 ] ، فكان المأمور به هو الإعداد وقد أعده بدخول دار الحرب ، فاستحق سهمه .

                                                                                                                                            وروي عن علي بن أبي طالب - عليه السلام - أنه قال : " ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا " فدل على أن دخول دار الحرب قد حصل الإذلال والقهر ، فاستحق به السهم ، قالوا : ولأن سهم فرسه في مقابلة ما تكلفه من مؤنته وقد تكلفها فاستحق السهم بها وربما حرروا هذا الاعتلال قياسا فقالوا : لأنه دخل دار الحرب فارسا مجاهدا ، فاستحق سهم الفارس كالحاضر للواقعة . والدليل على أن اعتبار استحقاق السهم في الفصلين معا بحضور الوقعة لا بدخول دار الحرب قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول [ الأنفال : 41 ] فاعتبر بملك حال المغنم إجازته ، فلم يجز أن يملك قبلها ، ولأن الفرس تابع والمالك متبوع ، فلما كان موت المالك المتبوع بعد دخول دار الحرب وقبل الوقعة يمنع من استحقاق سهمه ، فالفرس التابع أولى أن يكون موته مانعا من استحقاقه .

                                                                                                                                            وتحريره قياسا أنه ذو سهم مات قبل حضور الوقعة ، فلم يسهم له كالمالك ، ولأن يد المسلمين على ما دخل إلى دار الإسلام أثبت وأقوى منها على ما في دار الحرب ( فلما [ ص: 422 ] استوى اعتبار سهم الفارس والفرس في دار الإسلام بحضور الإسلام كان أولى أن يعتبر في دار الحرب ) بحضور الوقعة .

                                                                                                                                            ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن كل حال منع ما قبلها من استحقاق سهم الفارس منع من استحقاق سهم الفرس قياسا على دار الإسلام .

                                                                                                                                            والثاني : أن كل مغنم منع بدار الإسلام من استحقاقه منعت دار الحرب من استحقاقه قياسا على موت الفارس .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن الآية ، فهو أن المأمور به هو القتال بعد الاستعداد لا الاقتصار على الاستعداد ؛ ألا ترى أن لو استعد ولم يحضر لم يسهم له ، ولو حضر ولم يستعد أسهم له ، فإن قيل : فالرهبة قد وقعت بالفرس في دخول دار الحرب قبل الرهبة بالفارس لا بالفرس ، ثم ليست الرهبة من الفارس بدخوله دار الحرب موجبة لسهمه ، فكذلك لفرسه .

                                                                                                                                            وأما قول علي بن أبي طالب - عليه السلام - : " ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا " ، فالجواب عنه أنه جعل الغزو في الدار هو الإذلال لا دخول الدار على أن الغنيمة لا تملك بالإذلال ، وإنما تملك بالغلبة والإجازة . وأما الجواب عن استدلالهم بما تكلفه من مؤنته ، فهو أنه ليس تكلف المؤنة موجبا لملك السهم في المغنم ، ألا تراه لو تكلفها لفرسه فهلك قبل دخول دار الحرب ، أو تكلفها لنفسه وهلك بعد دخول دار الحرب لم يسهم لواحد منها ، فبطل التعليل بذلك .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية