الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
5 - " آخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة؛ ينعقان بغنمهما؛ فيجدانها وحوشا؛ حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما " ؛ (ك) عن أبي هريرة ؛ (صح).

التالي السابق


(آخر من يحشر) ؛ بالبناء للمجهول؛ أي: يموت؛ قال عكرمة - في قوله (تعالى): وإذا الوحوش حشرت -: حشرها: موتها؛ أو المراد: آخر من يساق إلى المدينة؛ كما في لفظ رواية مسلم ؛ و" الحشر" ؛ كما قال القاضي: السوق من جهات مختلفة؛ إلى مكان واحد؛ وأصله الجمع والضم المتفرق؛ وقال الزمخشري : " الحشر" : سوق الناس إلى المحشر؛ وقال الحراني : الجمع؛ وغيره؛ وقال الراغب : إخراج الجماعة عن مقرهم؛ وإزعاجهم؛ (راعيان) ؛ تثنية " راع" ؛ وهو حافظ الماشية؛ قال الراغب : و "الرعي" ؛ في الأصل: حفظ الحيوان؛ إما بغذائه الحافظ لحياته؛ أو بذب العدو عنه؛ يقال: " رعيته" ؛ أي: حفظته؛ فسمي [به] كل سائس لنفسه؛ أو لغيره؛ [ ص: 42 ] (راعيا من مزينة) ؛ بالتصغير؛ قبيلة من مضر؛ معروفة؛ وفي رواية: " رجل من جهينة؛ وآخر من مزينة..." ؛ وفي رواية أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان؛ (يريدان) ؛ أي: يقصدان؛ (المدينة) ؛ الشريفة؛ أي: المدينة الكاملة التي تستحق أن يقال لها: " مدينة" ؛ على الإطلاق؛ كـ " البيت" ؛ للكعبة؛ ولها نحو مائة اسم؛ منها: " طابة" ؛ و" طيبة" ؛ مشددة ومخففة؛ و" طايب" ؛ كـ " كاتب" ؛ و" دار الأخيار" ؛ و" دار الأبرار" ؛ و" دار الإيمان" ؛ و" دار السنة" ؛ و" دار السلامة" ؛ و" دار الفتح" ؛ و" دار الهجرة" ؛ وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى؛ قال النووي : لا يعرف في البلاد أكثر أسماء منها؛ ومن مكة؛ (ينعقان) ؛ بفتح المثناة تحت؛ وسكون النون؛ وكسر العين المهملة؛ قال [في] الكشاف: " النعيق" : التصويت؛ يقال: " نعق المؤذن" ؛ و" نعق الراعي" ؛ صوت؛ (بغنمهما) ؛ يزجرانها بأصواتهما؛ ويسوقانها؛ يطلبان الكلأ؛ وفيه إشارة إلى طول أملهما؛ وأن ما وقع من أشراط الساعة لم يشغلهما عن الشغل بالمعاش؛ والاهتمام بالأمور الدنيوية؛ ويحتمل أنهما قصداها بماشيتهما للإقامة بها مع أهل الإيمان؛ للحماية من أهل الطغيان؛ ولعل الغنم مشتركة؛ فلذلك لم يثنها؛ (فيجدانها) ؛ أي: الغنم؛ والفاء تعقيبية؛ (وحوشا) ؛ بضم أوله؛ بأن ينقلب ذواتها؛ أو بأن تتوحش؛ فتنفر من صياحهما؛ أو الضمير للمدينة والواو مفتوحة؛ روايتان؛ أي: يجدان المدينة خالية ليس فيها أحد؛ و" الوحش" : الخلاء؛ أو سكنها الوحش؛ لانقراض سكانها؛ قال النووي : وهو الصحيح؛ والأول غلط؛ وتعقبه ابن حجر؛ بأن قوله: (حتى إذا بلغا) ؛ أي: الراعيان؛ (ثنية الوداع) ؛ أي: انتهيا إليها؛ يؤيد الأول؛ لأن وقوع ذلك قبل دخول المدينة؛ وأقول: هذا غير دافع لترجيح النووي؛ إذ إحاطتهما بخلو المدينة من سكانها؛ و[أن] مصيرها مسكن الوحوش؛ لا يتوقف على دخولها؛ بل يحصل العلم به بالقرب منها؛ والإشراف على حريمها؛ وهذا أمر كالمحسوس؛ وإنكاره مكابرة؛ و" البلاغ" ؛ و" الإبلاغ" : الانتهاء إلى المقصد؛ و" ثنية الوداع" ؛ بمثلثة وفتح الواو: محل عقبة عند حرم المدينة؛ سمي به لأن المودعين يمشون مع المسافر من المدينة إليها؛ وهو اسم قديم جاهلي؛ كذا ذكره القاضي تبعا لعياض وغيره؛ وفي تاريخ السمهودي: هي معروفة بباب المدينة؛ خلف سوقها القديم؛ بين مسجد الراية ومسجد النفس الزكية؛ قرب سلع؛ ووهم من قال: هي من جهة مكة؛ سميت به لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن فيها عند رجوعهم من " خيبر" ؛ أو خروجهم إلى " تبوك" ؛ وفي رواية: " ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها" ؛ فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج؛ لوبائها؛ كما زعمت اليهود؛ فإذا وقف عليها قيل: قد ودع؛ فسميت به؛ وقيل: لوداع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض المسلمين بالمدينة في بعض خرجاته؛ وقيل: ودع فيها بعض سراياه؛ وقيل غير ذلك؛ (خرا على وجوههما) ؛ ميتين؛ أي: أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى؛ وهذا ظاهر في أن ذلك يكون لإدراكهما الساعة؛ ففيه رد لقول البعض: إنه وقع في بعض الفتن؛ حين خلت المدينة؛ وبقيت ثمارها للعوافي؛ وذلك في وقعة الحرة؛ حين وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة في جيش إلى المدينة؛ فقتل من فيها من بقايا المهاجرين والأنصار؛ وخيار التابعين؛ وهم ألف وسبعمائة؛ ومن الأخلاط عشرة آلاف؛ قال السمهودي: قال القرطبي : وجالت الخيل في المسجد النبوي؛ وبالت؛ وراثت بين القبر والمنبر؛ وخلت المدينة من أهلها؛ وبقيت ثمارها للعوافي؛ انتهى.

وذكر نحوه ابن حزم؛ و" الخر" : السقوط؛ يقال: " خر" ؛ سقط سقوطا يسمع منه خرير؛ ذكره الراغب وغيره؛ فإن قلت: هل لإيثاره " خر" ؛ على " سقط" ؛ من فائدة؟ قلت: أجل؛ وهي التنبيه على اجتماع أمرين: السقوط؛ وحصول الصوت منه؛ إشارة إلى أن فراق روحيهما لبدنيهما بعنف وشدة؛ وسرعة خطفة؛ من أثر تلك الصعقة التي لم تأت على مخلوق إلا جعلته كالرميم؛ ونظيره قوله (تعالى): يخرون للأذقان سجدا ؛ و" الوجه" : مجتمع حواس الحيوان؛ وأحسن ما في الإنسان؛ وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول ابتداؤه من الأشياء؛ ذكره الحراني ؛ فإن قلت: المناسب لقوله: " خرا" ؛ وما قبله؛ تثنية الوجه؛ فما وجه جمعه؟ قلت: لعله أراد بالوجوه مقدم الأعضاء المقدمة؛ فكل عضو له وجه وظهر؛ فالسقوط يكون على كل مقدم من الأعضاء؛ و" الوجه" ؛ كما يراد به ما هو المتبادر؛ يطلق ويراد به أشرف ما ظهر من الإنسان أو غيره؛ كما تقرر.

(ك)؛ في الفتن؛ (عن أبي هريرة )؛ وقال: على شرطهما؛ وأقره الذهبي ؛ لكن رمز المؤلف لحسنه [ ص: 43 ] فقط؛ وهو قطعة من حديث رواه الشيخان؛ ولفظ رواية البخاري : " ستكون المدينة على خير؛ ما كانت لا يغشاها إلا العوافي؛ وآخر من يحشر..." ؛ إلى آخر ما هنا؛ بنصه؛ وقال القسطلاني وغيره: وقوله: " وآخر..." ؛ إلى آخره؛ يحتمل كونه حديثا غير الأول؛ لا تعلق له به؛ وكونه من بقيته؛ انتهى؛ وسواء كان كلا؛ أو بعضا؛ فهو في الصحيح؛ فاستدراك الحاكم له غير قويم؛ كرمز المؤلف لحسنه فقط.



الخدمات العلمية