الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
181 - " اجثوا على الركب؛ ثم قولوا: يا رب؛ يا رب " ؛ أبو عوانة البغوي ؛ عن سعد ؛ (صح).

التالي السابق


(اجثوا) ؛ بضم الهمزة؛ والمثلثة؛ اجلسوا؛ أو ابركوا معتمدين؛ (على الركب) ؛ بين يدي الله (تعالى)؛ عند إرادة الدعاء؛ لأنه أبلغ في الأدب؛ وأقرب إلى التواضع؛ وهي جلسة العبد الذليل بين يدي الملك الجليل؛ فهو نهي عن التربع حال الدعاء؛ لما فيه من التمكن في الجلوس؛ الذي هو شأن المتكبرين؛ ولهذا قال في الخبر المار: " أجلس كما يجلس العبد" ؛ و" الركب" ؛ جمع " ركبة" ؛ وهي أول المنحدر عن الفخذ؛ إلى أول أعلى الساق؛ كما يشير إليه قول الصحاح: " الركبة" : معروفة؛ والمعروف أنها [ ص: 158 ] ما ذكروه به؛ رد قول القاموس: هي موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ؛ وأعالي الساق؛ وكثيرا ما يقع للقاموس الخروج عن اللغة؛ لغيرها؛ (ثم قولوا) ؛ " ثم" ؛ بمعنى الواو؛ وهي الواردة في خبر الطبراني ؛ أي: اجثوا على الركب عند دعائكم؛ قائلين حالتئذ: (يا رب) ؛ أعطنا؛ (يا رب) ؛ أعطنا؛ أي: كرروا ذلك كثيرا؛ فإن العبد إذا قال ذلك؛ قال الله: " لبيك عبدي؛ سل تعط" ؛ هكذا رواه ابن أبي الدنيا ؛ عن عائشة - رضي الله (تعالى) عنها - موقوفا؛ وخصه لما فيه من معنى التربية والإصلاح؛ وهذا تعليم منه لأمته كيف يدعون ربهم؛ وكيف يضرعون إليه؛ وتكرير " يا رب" ؛ من باب الابتهال؛ وإعلام بما يوجب حسن الإجابة؛ والإثابة؛ من احتمال المشاق في دين الله؛ والصبر على صعوبة تكاليفه؛ وقطع لأطماع الكسالى؛ المتمنين عليه؛ وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه بالعمل بالجهل والغباوة؛ ذكره الزمخشري .

(تنبيه) : قال ابن حجر: ذهب بعضهم إلى أن " رب" ؛ هو الاسم الأعظم؛ وقد أخرجه الحاكم ؛ من حديث أبي الدرداء ؛ وابن عباس ؛ بلفظ: " اسم الله الأكبر: رب؛ رب" ؛ ووجهه بعضهم بأنه الكفيل بتربية ذرات الوجود؛ والمدر عليها أنواع الجود؛ ولم يخرج عن حضرة إحسان هذا الاسم مؤمن ولا كافر ولا بر ولا فاجر؛ بل أدر الأرزاق؛ وأسدى الإحسان؛ وعامل باللطف والامتنان.

( أبو عوانة ) ؛ الحافظ يعقوب؛ في صحيحه؛ ( والبغوي ) ؛ إمام السنة؛ وكذا الطبراني ؛ في الأوسط؛ كلهم من حديث عامر بن خارجة بن سعد ؛ عن أبيه؛ (عن) ؛ جده ( سعد) ؛ ابن أبي وقاص ؛ قال: شكا قوم إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر؛ فقال: " اجثوا على الركب؛ وقولوا: يا رب؛ يا رب" ؛ ورفع السبابة إلى السماء؛ ففعلوا؛ فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم؛ قال في الميزان؛ في ترجمة عامر هذا: قال البخاري : فيه نظر؛ ثم ساق له هذا الخبر؛ قال في اللسان: وقد ذكره ابن حبان في الثقات؛ فقال: يروي عن جده حديثا منكرا في المطر؛ لا يعجبني؛ ذكره؛ ثم أورد هذا الحديث بعينه؛ وقال ابن حجر في غير اللسان: في سنده اختلاف؛ وعامر بن خارجة ضعفه الذهبي وغيره؛ ومن لطائف إسناده أنه من رواية الرجل عن أبيه عن جده.



الخدمات العلمية