الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2494 ص: فكان من الحجة لأهل المقالة الأولى أنهم لا يعارضون الزهري بحنظلة، وأما ما رواه عن ابن عمر من وتره على الأرض، فقد يجوز يكون فعل ذلك وله أن يوتر على الراحلة كما يصلي تطوعا على الأرض وله أن يصليه على الراحلة، فصلاته إياه على الراحلة وصلاته إياه على الأرض لا تنفي أن يكون له أن يصليه على الراحلة.

                                                [ ص: 420 ] وقد حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع قال: "كان ابن عمر يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".

                                                فقد يجوز أن يكون مجاهد رآه يوتر على الأرض ولم يعلم كيف كان مذهبه في الوتر على الراحلة، فأخبر بما رأى منه من وتره على الأرض، وهذا مما لا ينفي أن يكون قد كان يوتر على الراحلة، ثم جاء سالم ونافع وأبو الحباب فأخبروا عنه أنه كان يوتر على راحلته.

                                                التالي السابق


                                                ش: لما احتج أهل المقالة الثانية لما ذهبوا إليه بما رواه حنظلة بن أبي سفيان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - مخالفا لما رواه الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - عليه السلام -، وبما رووه أيضا من فعل ابن عمر مخالفا لما روى هؤلاء ; عارضهم أهل المقالة الأولى بأن قالوا: ما روينا عن ابن عمر عن النبي - عليه السلام - من جواز الوتر على الأرض من طريق محمد بن مسلم الزهري ، وما رويتم من خلاف ذلك من طريق حنظلة بن أبي سفيان وحنظلة لا يقاوم الزهري ولا يعادله وإن كان حنظلة ثقة روى له الجماعة، فحينئذ لا يعارض حديث الزهري بحديثه.

                                                وقالوا أيضا: ما رواه حنظلة ، عن ابن عمر من وتره على الأرض لا ينافي ما ذهبنا إليه ; لأنه يجوز أن يكون فعل ذلك والحال أن له أن يوتر على الراحلة، وذلك كما كان له أن يصلي تطوعا على الأرض كان له أن يصليه على الراحلة، وحاصله أن صلاته الوتر على الأرض لا يستلزم عدم جوازه عنده على الراحلة ولا دل دليل على أنه لا يجوز على الراحلة عنده فحينئذ لا يتم الاستدلال بما رواه حنظلة من أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض.

                                                ثم أكد ما ذكروه من ذلك بما رواه عن فهد بن سليمان ، عن علي بن معبد بن شداد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر : "كان يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".

                                                [ ص: 421 ] فهذا يخبر أنه تارة كان يوتر على الراحلة وتارة على الأرض، فدل أن ما رواه حنظلة كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض لا ينافي جواز وتره على الراحلة.

                                                قوله: "فقد يجوز أن يكون مجاهد . . . " إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الثانية بما رواه مجاهد ، عن ابن عمر : "أنه كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السحر نزل فأوتر".

                                                بيان ذلك أن ما رواه مجاهد لا يدل على عدم جواز الوتر على الراحلة ; لأنه يجوز أن يكون رآه يوتر على الأرض والحال أنه لم يعلم كيف كان مذهب ابن عمر في الوتر على الراحلة هل يجوز عنده أم لا؟

                                                فغاية ما في الباب أنه أخبر بما شاهد منه من وتره على الأرض، وذلك لا يستلزم نفي جوازه على الراحلة عنده، ومع هذا روى سالم ونافع وأبو الحباب سعيد بن يسار: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يوتر على راحلته" فكما أن رواية هؤلاء لا تستلزم عدم جوازه على الأرض فكذلك رواية مجاهد لا تستلزم عدم جوازه على الراحلة، فظهر أن كلا الأمرين جائز، وأن ما شاهده أحد من الرواة من فعل لا يستلزم نفي صحة ما شاهده غيره من الفعل الآخر إلا بدليل يدل عليه، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية