الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2355 ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت: ألا تحدثيني عن مرض النبي - عليه السلام - فقالت: بلى، كان الناس عكوفا في المسجد ينتظرون رسول الله - عليه السلام - لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل رسول الله - عليه السلام - إلى [ ص: 261 ] أبي بكر - رضي الله عنه - أن يصلي بالناس، فكان يصلي لهم تلك الأيام، ثم إن رسول الله - عليه السلام - وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي للناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي- عليه السلام -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي - عليه السلام - قاعد. قال عبيد الله : فدخلت على ابن عباس ، فعرضت حديثها عليه، فما أنكر من ذلك شيئا".

                                                حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية ، قال: ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لما ثقل رسول الله - عليه السلام - جاءه بلال - رضي الله عنه - يؤذنه للصلاة، فقال: ائتوا أبا بكر فليصل للناس. قالت: فقلت: يا رسول الله لو أمرت عمر أن يصلي بهم، فإن أبا بكر رجل أسيف ومتى يقوم مقامك لا يسمع الناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فأمروا أبا بكر فصلى بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - عليه السلام - خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن صل كما أنت، فجاء رسول الله - عليه السلام - حتى جلس على يسار أبي بكر ، فكان رسول الله - عليه السلام - يصلي بالناس، وأبو بكر يقتدي بالنبي - عليه السلام - وهو قائم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر - رضي الله عنه -".

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان طريقان صحيحان:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، وكثيرا ما ينسب إلى جده.

                                                عن زائدة بن قدامة الكوفي روى له الجماعة، عن موسى بن أبي عائشة الهمداني أبي الحسن الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، روى له الجماعة.

                                                [ ص: 262 ] وأخرجه مسلم : ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زائدة، قال: نا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - عليه السلام -؟ قالت: بلى، ثقل رسول الله - عليه السلام - فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله - عليه السلام -. قال: ضعوا لي ماء في المخضب. ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله - عليه السلام - لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله - عليه السلام - إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله - عليه السلام - يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر -وكان رجلا رقيقا-: يا عمر ، صل بالناس. فقال عمر : أنت أحق بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله - عليه السلام - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي - عليه السلام - أن لا تتأخر وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر - رضي الله عنه -، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي - عليه السلام -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي - عليه السلام - قاعد، قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس ، فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي - عليه السلام -؟ قال: هات. فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت: لا. قال: هو علي - رضي الله عنه -".

                                                وأخرجه البخاري والنسائي أيضا.

                                                [ ص: 263 ] قوله: "عكوفا" أي عاكفين ومعناه ملتزمين ومجتمعين، من عكف يعكف ويعكف من باب ضرب يضرب ونصر ينصر، والعكوف: الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما، ومنه المعتكف في المسجد.

                                                قوله: "ينتظرون" جملة حالية.

                                                قوله: "يهادى" على صيغة المجهول، وقد فسرناه عن قريب.

                                                قوله: "في المخضب" في رواية مسلم بكسر الميم هو مثل الأجانة والمركن.

                                                قوله: "ذهب لينوء" أي ليقوم وينهض.

                                                قوله: "رقيقا" أي رقيق القلب كثير الخشية سريع الدمعة.

                                                الثاني: عن فهد بن سليمان ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم -بالمعجمتين- عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد النخعي ، عن عائشة - رضي الله عنها -.

                                                وأخرجه البخاري : ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثني أبي، قال: ثنا الأعمش ، عن إبراهيم، قال: الأسود قال: "كنا عند عائشة - رضي الله عنها - فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله - عليه السلام - مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة فأذن فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: إنكن صواحب يوسف ; مروا أبا بكر فليصل بالناس، فخرج أبو بكر فصلى، فوجد النبي - عليه السلام - من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين، فكأني أنظر رجليه يخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي - عليه السلام - أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش : وكان النبي- عليه السلام - يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه: نعم".

                                                [ ص: 264 ] رواه أبو داود : عن شعبة ، عن الأعمش بعضه، وزاد أبو معاوية : "جلس عن يسار أبي بكر - رضي الله عنه - فكان أبو بكر يصلي قائما".


                                                وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية ووكيع ، ونا يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: أنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت: "لما ثقل رسول الله - عليه السلام - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر . فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فقلت قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر فقالت له، فقال رسول الله - عليه السلام -: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر - رضي الله عنه - فصلى بالناس، قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - عليه السلام - من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض، قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله - عليه السلام -: أقم مكانك. فجاء رسول الله - عليه السلام - حتى جلس عن يسار أبي بكر ، قالت: فكان رسول الله - عليه السلام - يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - عليه السلام - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر - رضي الله عنه -".

                                                قوله: "يؤذنه" أي يعلمه، من الإيذان وهو الإعلام.

                                                قوله: "رجل أسيف" أي سريع الحزن والبكاء وهو الأسوف أيضا، والأسيف في غير هذا الموضوع: العبد، والآسف الغضبان، ومنه قوله تعالى:

                                                [ ص: 265 ] ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا وفيه دليل على فضيلة أبي بكر وتقدمه، وتنبية على أنه أولى بخلافته كما قال الصحابة - رضي الله عنهم -: "رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله - عليه السلام - لديننا".




                                                الخدمات العلمية