الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2391 [ ص: 316 ] ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من الحديثين اللذين ذكرناهما في أول هذا الباب: أن ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجى بن رجاء، قال: ثنا داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - عليه السلام - إلى المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى".

                                                فهذه عائشة - رضي الله عنها - تخبر أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي ركعتين ركعتين حتى قدم المدينة فصلى إلى كل صلاة مثلها، وقد كان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى، فأخبرت أنه كان يصلي في سفره كما كان يصلي قبل أن يؤمر بتمام الصلاة وذلك ركعتان، فذلك خلاف حديث فهد الذي ذكرناه في الفصل الأول "أن رسول الله - عليه السلام - أتم الصلاة في السفر وقصر".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه على أهل المقالة الأولى في الذي احتجوا به على الآخرين من حديث عائشة وحديث يعلى بن منية: أن إبراهيم بن أبي داود البرلسي قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى حوض محلة بالبصرة، عن مرجى بن رجاء اليشكري أبي رجاء البصري، فعن يحيى: ضعيف. وعن أبي زرعة : ثقة. واستشهد له البخاري بحديث واحد في أكل التمر يوم العيد.

                                                عن داود بن أبي هند أبي محمد البصري روى له الجماعة البخاري مستشهدا، عن عامر بن شراحيل الشعبي ، عن مسروق بن الأجدع ، عن عائشة - رضي الله عنها - وأخرجه البيهقي : من حديث داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة [ ص: 317 ] قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم نبي الله - عليه السلام - المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب ; لأنها وتر النهار وصلاة الغداة لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى".

                                                وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي ": هو من رواية بكار بن عبد الله السيريني، وهو واه. انتهى.

                                                قلت: طريق الطحاوي جيد حسن.

                                                فإن قيل: كيف يكون جيدا وقد ضعف يحيى مرجى بن رجاء .

                                                قلنا: فقد وثقه أبو زرعة ، وقال أبو داود : صالح. واستشهد له البخاري وبهذا تثبت الجودة والحسن لحديثه، وهذا القدر كاف في الاحتجاج به.

                                                على أنه يؤيده ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيدهم، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر".

                                                قوله: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين" قيل: معناه أي أول ما قدرت قدرت ركعتين، ثم تركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإيجاب، والفرض في اللغة بمعنى التقدير.

                                                وقال أبو إسحاق الحربي: إن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد له قوله سبحانه: وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار وقال يحيى بن سلام مثله.

                                                [ ص: 318 ] وقد كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام، فعلى هذا يحمل قول عائشة - رضي الله عنها - في رواية البخاري ومن معه: "وزيد في صلاة الحضر" أي زيد فيها حتى تكملت خمسا، فتكون الزيادة في الركعات وفي عدد الصلوات، ويكون قولها: "فرضت الصلاة ركعتين" أي قبل الإسراء.

                                                وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم ابن عباس ، وقال بعضهم: لم يوجد هذا في أثر صحيح.

                                                وقال بعضهم: يجوز أن يكون معنى "فرضت الصلاة" أي ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك كما تشير إليه رواية الطحاوي هذه، وممن قاله هكذا: الحسن والشعبي فقالا: إن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه. وقد قيل: فرضت الصلاة ركعتين يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أربعا فله ذلك.

                                                وقال الخطابي : هذا قول عائشة عن نفسها وليست برواية عن رسول الله - عليه السلام - ولا حكايته عن قوله - عليه السلام - وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك عن قوله، فيحتمل أن يكون الأمر في ذلك كما قالاه ; لأنهما عالمان فقيهان قد شهدا زمان رسول الله - عليه السلام - وصحباه، وإن لم يكونا شهدا أول زمان الشريعة وقت فرض الصلاة على النبي - عليه السلام - فإن الصلاة فرضت عليه بمكة، ولم تلق عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - عليه السلام - إلا بالمدينة، ولم يكن ابن عباس - رضي الله عنهما - في ذلك الزمان من يعقل الأمور ويعرف حقائقها، ولا يبعد أن يكون قد أخذ هذا الكلام عن عائشة فإنه قد يفعل ذلك كثيرا في حديثه، وإذا فتشت عن أكثر ما يرويه كان ذلك سماعا من الصحابة - رضي الله عنهم -، وإذا كان كذلك فإن عائشة نفسها قد ثبت عنها أنها كانت تتم في السفر فتصلي أربعا.

                                                [ ص: 319 ] وقال النووي -رحمه الله-: معنى فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع، ثم ذكر تتميم عائشة الصلاة في السفر، وكذلك عثمان ، وقول عروة : إنها تأولت كما تأول عثمان - رضي الله عنه -.

                                                وقال: اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزا والإتمام جائزا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام.

                                                وقيل: لأن عثمان - رضي الله عنه - إمام المؤمنين وعائشة أمهم فكأنهما في منازلهما.

                                                وأبطله المحققون بأن النبي - عليه السلام - كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -.

                                                وقيل: لأن عثمان تأهل مكة، وأبطل بأن النبي - عليه السلام - سافر بأزواجه وقصر، وفيه نظر.

                                                وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنوا أن فرض الصلاة ركعتان ابتداءا حضرا وسفرا.

                                                وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودا في زمن النبي - عليه السلام - بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان.

                                                وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج.

                                                وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث.

                                                وقيل: كان لعثمان أرض بمنى.

                                                وأبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة.

                                                وقال أبو عمر : قول عائشة - رضي الله عنها -: " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين" قول ظاهر العموم والمراد به الخصوص، ألا ترى أن المغرب غير داخلة في قوله:

                                                [ ص: 320 ] "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين"، وكذلك الصبح ; لأنه معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها وأنها في الحضر والسفر سواء.

                                                قوله: "فهذه عائشة تخبر. . . " إلى آخره، أراد أن الذي يفهم من كلام عائشة أن الأصل في الصلاة هو ركعتان وأنه هو كان عزيمة، وأن الرجل إذا سافر يأخذ بتلك العزيمة ويرى القصر عزيمة كما كان في الأصل، ألا ترى كيف تقول عائشة : "وقد كان - عليه السلام - إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى" يعني عاد إلى تلك العزيمة، فأخبرت أنه - عليه السلام - كان يصلي في حالة السفر كما كان يصلي قبل أن يؤمر بإتمام الصلاة وهي ركعتان.

                                                قوله: "فذلك خلاف حديث فهد" أي ما روته عائشة خلاف ما رواه فهد ، عن الحسن بن بشر ، عن المعافى بن عمران ، عن مغيرة بن زياد ، عن عطاء ، عن عائشة ، أراد أن بين حديثي عائشة تخالفا وتضادا، ولم يذكر الطحاوي وجه التوفيق بينهما ولا وجه ترجيح أحدهما على الآخر، فنقول: إن حديث فهد لا يساوي حديث ابن أبي داود هذا ; لأن في حديث فهد المغيرة بن زياد ; وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم : شيخ لا يحتج بحديثه. وقال أحمد : مضطرب الحديث.

                                                فإن قيل: ففي حديث ابن أبي داود مرجى بن رجاء وهو أيضا ضعيف عند قوم.

                                                قلت: هو فوق المغيرة بن زياد ولهذا استشهد به البخاري كما ذكرناه، ولئن سلمنا أنهما متساويان أو أن المغيرة فوق مرجى بن رجاء، أو أن حديث فهد أصح من حديث ابن أبي داود، ولكن معناه قصر في الفعل وأتم في الحكم، كقول عمر - رضي الله عنه - في صلاة السفر: "ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - عليه السلام -" فافهم.




                                                الخدمات العلمية