الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
13904 [ ص: 15 ] 5993 - (14316) - (3 \ 309) عن عمرو ، سمع جابر بن عبد الله : لما نزلت : هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعوذ بوجهك " ، فلما نزلت : أو من تحت أرجلكم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك " ، فلما نزلت : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض [الأنعام : 65] ، قال : "هذه أهون" أو "أيسر " .

التالي السابق


* قوله : "(عذابا من فوقكم) " : أي : الرجم من السماء .

* "(أو من تحت أرجلكم) " : أي : الخسف من الأرض .

* "(أو يلبسكم " : يخلطكم ويجمعكم في معركة القتال مختلطين يقاتل بعضكم بعضا .

* "هذه " : أي : هذه العقوبة ، وعلى ما ذكرنا من المعنى يكون مجموع قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض [الأنعام : 65] ، إشارة إلى نوع ثالث من العذاب ، وهذا هو ظاهر القرآن ; لأن العطف بين كل نوعين بكلمة "أو " ، والعطف ها هنا بالواو ، فالظاهر أن المجموع نوع واحد ، وكذا هو ظاهر الحديث المذكور ; لقوله : "هذه أهون" بصيغة الإفراد بعد ذكر مجموع الفعلين ، وكلام بعض الشارحين يقتضي أنهما نوعان ، والله تعالى أعلم .

وظاهر هذه الرواية أن كل قطعة نزلت على حدة ، لكن ظاهر رواية البخاري تقتضي نزول الكل جميعا ، وهو الأقرب ، فيلزم التكلم في أثناء نزول القرآن ، وقد قال تعالى : لا تحرك به لسانك [القيامة : 16] ، فإما أن يجاب بأن قوله : لا تحرك به لا يدل على النهي عن تحريك اللسان بغير القرآن ، أو يحمل القول في الحديث على القول النفسي ، أو بجواز تأخر لا تحرك به عن هذه الآية .

قال القسطلاني في قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا : قال مجاهد : يعني :

[ ص: 16 ] أهواء متفرقة ، وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف ، وقال بعضهم : هو ما فيه الناس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء ، وقال : "هذه أهون " ; لأن الفتن بيد المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله ، فابتليت هذه الأمة بالفتن ; ليكفرها عنهم ، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا ، فرفع عنهم اثنتين ، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين ; دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء ، والخسف من الأرض ، وألا يلبسهم شيعا ، ولا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع عنهم الخسف والرجم ، وأبى أن يرفع عنهم الآخرين " .

فيستفاد منه أن الخسف والرجم لا يقعان في هذه الأمة ، لكن روى أحمد من حديث أبي بن كعب في هذه الآية : "هن أربع ، وكلهن واقع لا محالة ، فمضت اثنتان ; بعد وفاة نبيهم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعا ، وذاق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة : الخسف ، والرجم " ، لكنه أعل بأنه مخالف لحديث جابر وغيره ، وبأن أبيا لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية ، فكأن حديثه انتهى عند قوله "لا محالة " ، والباقي كلام بعض الرواة ، وجمع بينهما بأن حديث جابر مقيد بزمان وجود الصحابة ، وبعد ذلك يجوز وقوعهما ، وعند أحمد بإسناد صحيح من حديث صحار - بضم صاد وبحاء مخففة مهملتين - رفعه : "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل" الحديث ذكره

[ ص: 17 ] في "فتح الباري " ، وفي حديث ربيعة الجرشي عند أبي خيثمة رفعه : "يكون - في أمتي الخسف والقذف أو المسخ " ، انتهى .

* * *




الخدمات العلمية