الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) هذه جملة مستأنفة مؤكدة بالقسم ، الذي تدل عليه اللام في أولها ، تثبت أن الكثير من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن ، الذي أكمل الله به الدين المنزل على محمد خاتم النبيين ، إلا طغيانا في فسادهم وكفرا على كفرهم ; ذلك بأنهم ما كانوا على إيمان صحيح بالله ولا بالرسل ، ولا على عمل صالح مما تهدي إليه تلك الكتب ، وإنما كان أكثرهم على تقاليد وثنية ، وعصبية جنسية ، وعادات وأعمال ردية ، فهم لهذا لم ينظروا في القرآن نظر إنصاف ، وليس لهم من حقيقة دينهم الحق ما يقربهم من فهم حقيقة الإسلام ; ليعلموا أن دين الله واحد ; فما سبق بدء وهذا إتمام ، بل ينظرون إليه بعين العصبية والعدوان ، وهذا سبب زيادة الكفر والطغيان . والطغيان : مجاوزة الحد المعتاد .

                          وأما غير الكثير ، وهم الذين حافظوا على التوحيد ، ولم تحجبهم عن نور الحق تلك التقاليد ، فهم الذين يرون القرآن بعين البصيرة ; فيعلمون أنه الحق من ربهم ، وأن من أنزل عليه هو النبي الأخير ، المبشر به في كتبهم ، فيسارعون إلى الإيمان ، على حسب حظهم من العلم ، وسلامة الوجدان .

                          [ ص: 394 ] والفرق بين نسبة إنزال القرآن إلى الرسول هنا ، ونسبة إنزاله إليهم في أول الآية ( على القول المشهور بأن المراد بما أنزل إليهم القرآن ) هو أن خطابهم بإنزال القرآن إليهم ، يراد به أنهم مخاطبون به ، ومدعوون إليه ، ومثله : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) ( 2 : 136 ) وأما إسناد إنزاله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فليس لإفادة أنه أوحي إليه فقط ، بل يشعر مع ذلك بأن إنزاله إليه سبب لطغيانهم وكفرهم ، وأنهم لم يكفروا به لأجل إنكارهم لعقائده وآدابه وشرائعه أو استقباحهم ، بل لعداوة الرسول الذي أنزل إليه وعداوة قومه العرب . وقيل إنه يفيد براءتهم منه ، وأنه لا حظ لهم فيه .

                          ( فلا تأس على القوم الكافرين ) أي فلا تحزن عليهم ; لأنهم قوم تمكن الكفر منهم ، وصار وصفا لازما لهم ، وهذه نكتة وضع الظاهر موضع الضمير ، وحسبك الله ومن اتبعك من مؤمني قومك ومنهم ; كعبد الله بن سلام ، وغيره من علمائهم . قال الراغب : الأسى : الحزن ، وأصله إتباع الفائت بالغم .

                          والعبرة للمسلم في الآية أن يعلم أن المسلمين لا يكونون على شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيموا القرآن وما أنزل إليهم من ربهم فيه ، ويهتدوا بهدايته ; فحجة الله على جميع عباده واحدة ، فإذا كان الله تعالى لا يقبل من أهل الكتاب قبلنا تلك التقاليد التي صدتهم عما عندهم من وحي الله تعالى على ما كان قد طرأ عليه من التحريف بالزيادة والنقصان ، فألا يقبل منا مثل ذلك مع حفظه لكتابنا أولى . والناس عن هذا غافلون ، وبالانتساب إلى المذاهب راضون ، وبهدي أئمتها لا يقتدون ، وإلى حكمة الدين ومقاصده لا ينظرون ( ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) ( 58 : 18 ) ولما كان الانتساب إلى الدين لا يفيد في الآخرة إلا بإقامة كتاب الدين ، بين الله تعالى بعد تلك الحجة ، أصول الدين المقصودة من إقامة الكتب الإلهية كلها ، التي يترتب عليها الجزاء والثواب ، فقال :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية