الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ثم قال عز وجل : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم للاتصال بين هذه الآية وما قبلها مناسبة غير سرد أحكام الطعام وبيان أحكام الحلال والحرام ، وهي أن سبب مشروعية التذكية التفصي من أكل المشركين للميتة ، وسبب التشديد في التسمية على الطعام من صيد وذبيحة هو إبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من الذبح لغير الله - تعالى - بالإهلال به لأصنامهم ، أو وضعها على النصب واستبدال اسم الله وحده بتلك الأسماء التي سموها هم وآباؤهم ، ما أنزل الله بها من سلطان ، ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك ، ولما كان أهل الكتاب في الأصل أهل توحيد ثم سرت إليهم نزغات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين ، ولم يشددوا في الفصل بينهم وبين ماضيهم ، وكان هذا مظنة التشديد في مؤاكلة أهل الكتاب ومناكحتهم ، كما شدد في أكل ذبائح مشركي العرب ونكاح نسائهم ، بين الله لنا في هذه الآية : ألا نعامل أهل الكتاب معاملة المشركين في ذلك ، فأحل لنا مؤاكلتهم ، ونكاح نسائهم ، وقد يستشكل إحلال الطيبات في ذلك اليوم على القول بأن المراد به يوم عرفة سنة حجة الوداع ، فإن حلها ذكر في بعض السور المكية كالأعراف ، ويجاب بأن المراد أنها كانت حلالا بالإجمال ، فلما حرم الله يوم إنزال هذه السورة أنواع الخبائث التي تدخل في عموم الميتة ، كما تقدم في الآية السابقة ، وكانت العرب تستحلها ، ونفى تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من طيبات الأنعام ، وكانت العرب تحرمها - صار حل الطيبات مفصلا تمام التفصيل ، وحكمه مستقرا دائما ، فهذا هو المراد بالنص ، وقيل : إنه تمهيد لما بعده .

                          وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم ; لأن غيرها حلال بقاعدة أصل الحل ، ولم تحرم من المشركين ، وإلا فالظاهر أنه عام يشملها ، ومذهب الشيعة أن المراد بالطعام : الحبوب أو البر ; لأنه الغالب فيه ، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية ، فقلت : ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن ; فقد قال الله - تعالى - في هذه السورة ، أي المائدة : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ( 5 : 96 ) ولا يقول أحد إن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب ، وقال : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ( 3 : 93 ) ولم يقل أحد إن المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا ; إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل ، لا قبل التوراة ولا بعدها ، فالطعام في الأصل كل ما يطعم ; أي يذاق أو يؤكل ، قال - تعالى - في ماء النهر حكاية عن طالوت : فمن شرب منه فليس مني ، ومن لم يطعمه فإنه مني ( 2 : 249 ) وقال : فإذا طعمتم فانتشروا ( 33 : 53 ) أي أكلتم وليس الحب مظنة التحليل والتحريم ، وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك ; لوصف حسي كموت [ ص: 148 ] الحيوان حتف أنفه ، وما في معناه ، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله ; ولذلك قال تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ( 6 : 145 ) الآية ، وكله يتعلق بالحيوان ، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر ; فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص ، وقد شدد الله فيما كان عليه مشركو العرب ; من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام ; لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة .

                          وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير الله ، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل في الإسلام ، وخفف في معاملة أهل الكتاب ; استمالة لهم حتى إن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد ، أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس ، فأفتيا بأكله ، قال ابن زيد : أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا . وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها " جرجس " أهدوه لها : أنأكل منه ؟ فقال أبو الدرداء للسائل : اللهم عفوا ، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا ، وطعامنا حل لهم ، وأمره بأكله .

                          وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس ، في قوله : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( 5 : 5 ) قال : ذبائحهم . وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد ، وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي ، وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا ، وأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية ، ووضعت له السم في ذراعها ، وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير ، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف ، إلا في بني تغلب ، وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى ، ولم يعرفوا من دينهم شيئا ، فنقل عن علي كرم الله وجهه أنه لم يجز أكل ذبائحهم ، ولا نكاح نسائهم ; معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصارى إلا شرب الخمر ، يعني أنهم على شركهم ، لم يصيروا أهل كتاب ، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية ، روى ابن جرير عن عكرمة ، قال : سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب ، فقرأ هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ( 5 : 51 ) وفي رواية له عنه أنه قال : كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوجوا من نسائهم فإن الله - تعالى - قال . . . وقرأ الآية . فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم ; أي يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم ، وتوليهم إياهم في الحرب .

                          ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء ، وحب التشديد مع المخالفين ، استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد ، وهي : هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب كالتوراة والإنجيل كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم ، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل ، وبأهله الأصليين ; كالإسرائيليين من اليهود ؟ المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة [ ص: 149 ] أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل ; فالله - تعالى - قد أحل أكل طعام أهل الكتاب ، ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل ، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن ; وكان أهل الكتاب من شعوب شتى ، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم ، ونسوا حظا مما ذكروا به ، في هذه السورة نفسها ، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها ، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : لا إكراه في الدين ( 2 : 256 ) أن سبب نزولها محاولة بعض الأنصار إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا ، على الرجوع إلى الإسلام ، فلما نزلت أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخييرهم ، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص ، ولم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام .

                          واستنبط بعضهم علة أخرى لتحريم طعام أهل الكتاب والتزوج منهم ، وهي إسناد الشرك إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ( 9 : 31 ) مع قوله في سورة البقرة ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ( 2 : 221 ) وهذا هو عمدة الشيعة في هذه المسألة ، وأجيب عنه .

                          ( أولا ) : بأن الشرك المطلق في القرآن ، إذا كان وصفا أو عد أهله صنفا من أصناف الناس لا يدخل فيه أهل الكتاب ، بل يعدون صنفا آخر مغايرا لهذا الصنف ، كما قال تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 98 : 1 ) وقال : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ( 22 : 17 ) الآية .

                          ( وثانيا ) : بأننا إذا فرضنا أن " المشركين " في آية البقرة عام ، فلا مندوحة لنا عن القول بأن هذه الآية قد خصصته ، أو نسخته لتأخرها بالاتفاق ، ولجريان العمل عليها ، ومنه أن حذيفة بن اليمان من أكبر علماء الصحابة قد تزوج يهودية ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية