الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 27 ] ( عقيدة الصلب والفداء وثنية ) اعترف أمامنا كثير من الذين قالوا : إنهم نصارى ، بأن كلا من هذه العقيدة ، وعقيدة التثليث لا تعقل ، وأن العمدة عندهم النقل عن كتبهم المقدسة ، فلما كانت تلك الكتب ثابتة عندهم وجب أن يقبلوا جميع ما فيها ، سواء عقل أم لم يعقل ، ويقول بعضهم : إن كل دين من الأديان فيه عقائد وأخبار يجزم العقل باستحالتها ، ولكنها تؤخذ بالتسليم .

                          ونحن نقول : إنه ليس في عقائد الإسلام شيء يحكم العقل باستحالته ، وإنما فيه أخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها ; لعدم الاطلاع على ذلك العالم ، ولكنها كلها من الممكنات أخبر بها الوحي ، فصدقناه ، فالإسلام لا يكلف أحدا أن يأخذ بالمحال .

                          وأما نقلهم هذه العقيدة عن كتبهم ( وسيأتي البحث فيه ) فهو معارض بنقل مثله عن كتب الوثنيين وتقاليدهم ، فهذه عقيدة وثنية محضة سرت إلى النصارى من الوثنيين ، كما بينه علماء أوربة الأحرار ، ومؤرخوهم ، وعلماء الآثار والعاديات منهم في كتبهم .

                          قال ( دوان ) في كتابه : " خرافات التوراة وما يقابلها من الديانات الأخرى " ( . ص 181 ، 182 ) ما ترجمته بالتلخيص :

                          " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة ، قديم العهد جدا عند الهنود الوثنيين ، وغيرهم " وذكر الشواهد على ذلك :

                          منها قوله : يعتقد الهنود أن كرشنا المولود البكر ، الذي هو نفس الإله فشنو الذي لا ابتداء له ولا انتهاء - على رأيهم - تحرك حنوا كي يخلص الأرض من ثقل حملها ، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه .

                          وذكر أن ( مستر مور ) قد صور كرشنا مصلوبا ، كما هو مصور في كتب الهنود ، مثقوب اليدين والرجلين ، وعلى قميصه صورة قلب الإنسان معلقا . ووجدت له صورة مصلوبا وعلى رأسه إكليل من الذهب ، والنصارى تقول : إن يسوع صلب وعلى رأسه إكليل من الشوك .

                          وقال ( هوك ) في ص 326 من المجلد الأول من رحلته : " ويعتقد الهنود الوثنيون بتجسد أحد الآلهة ، وتقديم نفسه ذبيحة فداء للناس من الخطيئة " .

                          وقال ( مورينورليمس ) في ص 36 من كتابه ( الهنود ) : ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية ، ومما يدل على ذلك ما جاء في مناجاتهم ، وتوسلاتهم التي يتوسلون بها بعد " الكياتري " وهو : إني مذنب ، ومرتكب الخطيئة ، وطبيعتي شريرة ، وحملتني أمي بالإثم ، فخلصني يا ذا العين الحندوقية ، يا مخلص الخاطئين من الآثام والذنوب " .

                          [ ص: 28 ] وقال القس جورك كوكس في كتابه ( الديانات القديمة ) في سياق الكلام عن الهنود : " ويصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتا لأنه قدم شخصه ذبيحة " .

                          ونقل هيجين عن ( أندرادا الكروزويوس ) وهو أول أوربي دخل بلاد النيبال والتبت ، أنه قال في الإله ( أندرا ) الذي يعبدونه : إنه سفك دمه بالصلب وثقب المسامير ، لكي يخلص البشر من ذنوبهم ، وإن صورة الصليب موجودة في كتبهم .

                          وفي كتاب جورجيوس الراهب صورة الإله ( أندرا ) هذا مصلوبا ، وهو بشكل صليب أضلاعه متساوية العرض متفاوتة الطول ، فالرأسي أقصرها ( وفيه صورة وجهه ) والسفلي أطولها ، ولولا صورة الوجه لما خطر لمن يرى الصورة أنها تمثل شخصا .

                          هذا ، وأما ما يروى عن البوذيين في ( بوذه ) هو أكثر انطباقا على ما يرويه النصارى عن المسيح ، من جميع الوجوه . حتى إنهم يسمونه المسيح ، والمولود الوحيد ، ومخلص العالم ، ويقولون : إنه إنسان كامل ، وإله كامل تجسد بالناسوت ، وإنه قدم نفسه ذبيحة ; ليكفر ذنوب البشر ، ويخلصهم من ذنوبهم ، فلا يعاقبون عليها ، ويجعلهم وارثين لملكوت السماوات .

                          بين ذلك كثير من علماء الغرب ، منهم ( بيل ) في كتابه ( تاريخ بوذه ) و ( هوك ) في رحلته و ( مولر ) في كتابه ( تاريخ الآداب السنسكريتية ) وغيرهم .

                          ومن أراد المقابلة بين إله النصارى ، وآلهة الوثنيين الأولين في الشرق والغرب ، فعليه أن يقرأ كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، فهل يتصور من مسلم هداه الله بالإسلام إلى التوحيد الخالص ، والدين القيم دين العقل والفطرة المبني على تكريم نوع الإنسان أن يستحب العمى على الهدى ، فيرضى لنفسه التخبط في ظلمات العقائد الوثنية ؟ !

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية