الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          فقوله تعالى : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم معناه أنهن حل لكم مطلقا ; لأنه معطوف على قوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وهل المحصنات هنا الحرائر أو العفيفات - أي غير الزواني - فلا فرق بين المسلمة والكتابية ؟ خلاف سيأتي تحقيقه ، وخص بعضهم الكتابية بالذمية ، وقال بعضهم : إنه عام فلا فرق بين الذمية والحربية ، ومن قال المراد بالمحصنات : الحرائر ، منع نكاح الكتابية المملوكة ، وبه قال الشافعي ، وقووه بقوله - تعالى - في سورة النساء : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ( 4 : 25 ) وقد يقال : إن هذا [ ص: 150 ] علق هنالك على العجز عن المحصنات المؤمنات فقط ; لأن الله - تعالى - لم يكن أحل المحصنات الكتابيات وقد أحلهن هنا ، فصارت حرائرهن كحرائر المسلمات ، وإماؤهن كإمائهن ، وقول الشافعي : اجتمع في الأمة الكتابية نقصان : الكفر والرق ، لا يقتضي التحريم ، وإنما المقتضي له نص الشارع ; ككون المراد بالمحصنات : الحرائر ، وهو محل النظر والخلاف ، وأيده ابن جرير بأمر عمر بتزويج من زنت وكادت تبخع نفسها ، فأنقذت ، وبعد البرء استشير .

                          وروى عدة روايات في هذا المعنى كأنه يريد أن العفة لا تشترط في النكاح ، وأن عمر كان يجيز نكاح الزانية ، وليس هذا هو مراد عمر ، وإنما أراد أنها خرجت بالتوبة من كونها زانية ، والروايات صريحة في ذلك ، ففي بعضها : أليس قد تابت ؟ قال السائل : بلى ، وفي رواية المرأة الهمدانية التي شرعت في ذبح نفسها فأدركوها ، فداووها ، فبرئت ، قال لهم : أنكحوها نكاح العفيفة المسلمة ، وفي رواية له : أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة فأمرت الشفرة على أوداجها فأدركت ، فداوى جرحها حتى برئت ، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة ، فقرأت القرآن ، ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم ، فخطبت إلى عمها ، وكان يكره أن يدلسها ويكره أن يفشي على ابنة أخيه ، فأتى عمر فذكر ذلك له ، فقال عمر : لو أفشيت عليها لعاقبتك ، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه . وفي رواية أخرى : أتى رجل عمر فقال : إن ابنة لي كانت وئدت في الجاهلية فاستخرجتها قبل أن تموت ، فأدركت الإسلام فلما أسلمت أصابت حدا من حدود الله فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها فأدركتها ، وقد قطعت بعض أوداجها فداويتها حتى برئت ، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة فهي تخطب إلي يا أمير المؤمنين ، فأخبر من شأنها بالذي كان ؟ فقال عمر : أتخبر بشأنها ؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه ؟ والله لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار ، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة .

                          وروى ابن جرير أيضا عن الحسن قال ، قال عمر بن الخطاب : لقد هممت ألا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة ، قال له أبي بن كعب : يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك ، وقد يقبل منه إذا تاب . اهـ .

                          والإباضية يشددون في النكاح بعد الزنا ، لا فرق عندهم بين من تاب ومن لم يتب ، ولما كنت في " مسقط " في العام الماضي ( 1330 هـ ) كانت قد عرضت واقعة في ذلك على السلطان السيد فيصل فسألني عنها ، فقلت : إن الأصل في هذه المسألة قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ( 24 : 3 ) ولما كانت التوبة من الشرك تبيح نكاح التي آمنت وإنكاح الذي آمن ، والشرك أقوى المانعين والإباضية مجمعون مع سائر المسلمين على ذلك ، كان ينبغي بالأولى أن يجيزوا مثل ذلك في التوبة من الزنا ، وهو ما أجمع عليه سائر المسلمين .

                          روي القول بأن المراد بالمحصنات هنا الحرائر عن ابن عباس ومجاهد واختاره ابن جرير [ ص: 151 ] والقول بأنهن العفيفات عن مجاهد أيضا وعن سفيان والحسن والشعبي والسدي والضحاك ، وزاد بعضهم الاغتسال من الجنابة . قال الشعبي وعامر : إحصان اليهودية والنصرانية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة .

                          وجملة القول : أن مفسري السلف اختلفوا في المحصنات هنا فقال جماعة منهم : هن الحرائر . وجماعة : هن العفائف عن الزنا ، وكلا المعنيين صحيح ، فإذا جاز استعمال اللفظ فيهما على قول من يقول باستعمال المشترك في معنييه ، واللفظ في حقيقته ومجازه فهو يتناولهما معا ، وإلا فالراجح المختار أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر . وتحريم نكاح الزواني يعرف من آية سورة النور ، وما هنا لا ينافيه ، ذلك بأن نكاح الإماء المسلمات يشترط فيهن العجز عن الحرائر ، كما في سورة النساء ، وتقدم آنفا ، فالكتابيات بالأولى ، والحل هنا مطلق في الفريقين ، وإنما يصح الإطلاق في الحرائر دون الإماء بالإجماع ، ولم يقل أحد من المسلمين بنسخ ما اشترط في نكاح الأمة هنالك بما هنا ، وتفسير المحصنات بالعفائف لا يدخل في عمومه الإماء بالنص ; لأن الأصل في الخطاب الأحرار ، والحرائر بالرق أمر عارض ; ولذلك احتيج إلى النص على نكاحهن في سورة النساء ، والغالب فيهن عدم العفة ، فإذا صح هذا - خلافا لمن أدخل الإماء في عمومه من المفسرين - لا يبقى وجه لإحلال الأمة الكتابية إلا القياس على الأمة المسلمة ، ومن قال : إن الأمة تدخل في عموم المحصنات بمعنى العفيفات ، فلا مندوحة له عن اشتراط استطاعة عدم نكاح حرة مسلمة أو كتابية لصحة نكاحها ، إما بقياس الأولى ، وإما باعتبار ذلك الشرط نفسه هنا من قبيل تقييد المطلق بقيد المقيد ، وعليه الجمهور في حال اتحاد الحكم والسبب كما هنا ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه كأنه لضعف الخلاف فيه لم يعتد به .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية