الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                23 24 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: أبنا أبو أسامة حماد بن أسامة ، عن الوليد بن كثير المخزومي ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من السباع، ، فقال: إذا بلغ الماء قلتين فلم يحمل الخبث".

                                                [ ص: 112 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 112 ] ش: أي احتج هؤلاء القوم وهو الذي ذكره في قوله: "غير أن قوما وقتوا في ذلك" وقد ذكر أن المراد منهم الشافعي وأحمد وإسحاق ومن تبعهم.

                                                ورجال هذا كلهم رجال الصحيح ما خلا بحر بن نصر فإنه أيضا ثقة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم : صدوق ثقة. روى عنه النسائي .

                                                وأخرجه الأربعة: فأبو داود : عن ابن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي ، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحوه.

                                                والترمذي : عن هناد ، عن عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ... إلى آخره، ولفظه: "سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" .

                                                والنسائي : عن هناد بن السري والحسن بن حريث ، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحو رواية أبي جعفر ، غير أن فيه: "من الدواب والسباع".

                                                وابن ماجه : عن أبي بكر بن خلاد ، عن يزيد بن هارون ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ... إلى آخره نحو رواية الترمذي .

                                                وقد وقع في رواية النسائي وابن ماجه : " عبيد الله بن عبد الله " مثل ما وقع في رواية الطحاوي بتصغير "العبد" في الابن وتكبيره في الأب، وفي رواية أبي داود والترمذي : بالتكبير فيهما، ولما أخرجه الترمذي سكت عنه ولم يحكم عليه بشيء، [ ص: 113 ] وقال اليعمري : وقد صححه ابن حبان وابن منده والطحاوي والخطابي والبيهقي ، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه": وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه ابن منده في أنه على شرط مسلم ، وقال الحاكم : "صحيح ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه".

                                                وقال اليعمري أيضا: وقد حكم الفقيه أبو جعفر الطحاوي بصحة هذا الحديث لكنه اعتل في ترك العمل به بجهالة مقدار القلتين.

                                                قلت: وضعفه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ، وقال ابن العربي : مداره على علته أو مضطرب في الرواية أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي، واختلفت روايته فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثا، [ ص: 114 ] وروي "أربعون قلة" وروي "أربعون غربا" ووقف على أبي هريرة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم – وقال اليعمري : حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب، ولعل مسلما تركه لذلك.

                                                قلت: اضطرابه لفظي ومعنوي، أما اللفظي فمن جهة الإسناد والمتن، أما إسناده فمن ثلاث روايات:

                                                الأولى: رواية الوليد بن كثير كما في رواية الطحاوي وأبي داود والنسائي وكذا في رواية الشافعي عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن الوليد بن كثير ، وكذا في رواية إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة .

                                                والثانية: رواية محمد بن إسحاق ، كما في رواية الترمذي وابن ماجه .

                                                والثالثة: رواية حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر ، واختلف في إسنادها ومتنها:

                                                أما الإسناد فما رواه أبو داود وابن ماجه : عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد عن عاصم ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، قال: حدثني أبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس" وخالف حماد بن سلمة فرواه عن عاصم بن المنذر ، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله موقوفا.

                                                وأما المتن فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة ، فاختلف فيه على يزيد ، فقال الحسن بن محمد الصباح عنه عن حماد ، عن عاصم قال: "دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقرى ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟! فحدثني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا بلغ الماء قلتين أو أكثر لم ينجسه شيء" أخرجه الدارقطني .

                                                [ ص: 115 ] وكذلك رواه وكيع عن حماد بن سلمة وقال: "إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء" رواه ابن ماجه .

                                                وأما متنه فالاضطراب فيه ما تقدم.

                                                وروى الدارقطني في "سننه" وابن عدي في "الكامل" والعقيلي في كتابه عن القاسم بن [عبد] الله العمري ، عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث" وقال الدارقطني : القاسم العمري وهم في إسناده، وكان ضعيفا كثير الخطأ.

                                                وروى الدارقطني أيضا: من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سليمان بن سنان ، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة ، عن أبيه قال: "إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا" وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا: "أربعين غربا" ومنهم من قال: "أربعين دلوا".

                                                وأما الاضطراب المعنوي فقيل: إن القلة اسم مشترك يطلق على الجرة وعلى القربة وعلى رأس الجبل وعلى قامة الرحل، والاسم المشترك لا يراد به إلا أحد المعاني الذي دل عليه الدليل المرجح، فأي دليل مرجح دل على أن المراد من القلة ما أرادوه من التقدير لا غيره.

                                                فإن قلت: روى الشافعي في "مسنده": أخبرني مسلم بن خالد الزنجي ، عن [ ص: 116 ] ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل [خبثا] " وقال في الحديث: "بقلال هجر " قال ابن جريج : وقد رأيت قلال هجر ، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. وقال الشافعي : فالاحتياط أن تجعل القلة قربتين ونصفا، فإذا كان الماء خمس قرب كبار كقرب الحجاز لم يحمل نجسا إلا أن يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون.

                                                قلت: في هذا ثلاثة أشياء:

                                                أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة، فالبيهقي أيضا ضعفه في باب: من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل.

                                                الثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول، فهو كالمنقطع، فلا تقوم به حجة.

                                                الثالث: أن قوله: "وقال في الحديث: بقلال هجر " يوهم أنه من لفظ النبي - عليه السلام - والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل كما بينه البيهقي ، ويحيى هذا ليس بصحابي فلا تقوم بقوله حجة.

                                                فإن قلت: أسند البيهقي : عن محمد [أن يحيى بن عقيل أخبره] عن يحيى بن يعمر ، أنه - عليه السلام - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا" . قال: فقلت ليحيى بن عقيل : قلال هجر ؟ [قال: قلال هجر ] قال: فأظن أن كل قلة تأخذ فرقين" زاد أحمد بن علي في روايته: "والفرق ستة عشر رطلا".

                                                قلت: في هذا أيضا أشياء:

                                                أحدها: أنه مرسل.

                                                [ ص: 117 ] الثاني: أن محمدا المذكور فيه هو ابن يحيى -على ما قال أبو أحمد الحافظ - يحتاج إلى الكشف عن حاله.

                                                الثالث: أنه ظن من غير جزم.

                                                الرابع: أنه إذا كان الفرق ستة عشر رطلا يكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلا، وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه.

                                                فإن قلت: قد ارتفع الاضطراب برواية إسماعيل ابن علية ، والاضطراب الذي يرجع إلى المتن قد يدفع بما ذكر من طريق ابن إسحاق من عدة أوجه ليس فيها ذكر لغير القلتين، وكذلك طريق الوليد بن كثير ولم يقع من ذلك إلا اليسير جدا في طريق عاصم بن المنذر من بعض الوجوه وهي كلها لا تساوي واحدا من طريقي ابن إسحاق والوليد ولا يقاربها، فالاضطراب إنما يقدح إذا تساوت الطرق وتعذر الجمع أو الترجيح، وكذا تعليل مرفوعه بموقوفه ليس بمستقيم; لأن الرافع إذا كان ثقة لا يضره من لم يرفعه; لأنه زيادة من ثقة، وأن من رفعه أكثر وأحفظ ممن وقفه بكثير، فيكون الاعتبار للأكثر وللأحفظ.

                                                قلت: لا نسلم أن ارتفاع الاضطراب برواية ابن علية ; لأنه يروي عن عاصم بن المنذر وهو ليس ممن اتفق عليه، ألا ترى أن البخاري استشهد به وما روى له، وقوله: "طريق عاصم لا يساوي طريق ابن إسحاق " غير مسلم; لأن كليهما سواء في القوة والضعف، ولهذا استشهد بهما البخاري ولم يخرج لهما شيئا، وقوله: "إن الرافع إذا كان ثقة" معارض بما إذا كان الواقف أيضا ثقة، وقوله: "الاعتبار للأكثر" غير مسلم ; بل الاعتبار للقوة، ولئن سلمنا جميع ذلك وسلمنا صحة الحديث لكنا نؤوله ونحمله على ما ذكره الطحاوي ; ألا ترى أنه -وهو إمام في الحديث وفي معرفة طرق معانيه- قد أخرج هذا الحديث بإسناد صحيح، ولكنه لم يعمل به لجهالة مقدار القلتين على ما يجيء بيانه مستقصى إن شاء الله.

                                                [ ص: 118 ] قوله: "وما ينوبه" أي ما يطرقه، وقيل: أي ما يقصده، يقال: نابه ينوبه نوبا وانتابه، إذا قصده مرة بعد أخرى، ويقال: معناه: ما تنزل به الدواب للشرب وهو جمع دابة، وهو ما يدب على وجه الأرض في اللغة، وفي العرف الدابة تطلق على ذوات الأربع مما يركب، وفي الصحاح: الدابة التي تركب.

                                                والسباع جمع سبع وهو كل حيوان عاد مفترس ضار ممتنع، وعطف السباع على الدواب من عطف الخاص على العام، إن اعتبرنا في الدواب المعنى اللغوي، وإلا فلا يكون من هذا القبيل.

                                                قوله: "فقال" أي النبي - صلى الله عليه وسلم - "إذا كان الماء قلتين" وهي تثنية قلة وهي الحب العظيم والجمع قلال، واختلفوا في تفسير القلة، فقيل: خمس قرب كل قربة خمسون منا، وقيل: جرة تسع فيها مائة وخمس وعشرون منا، وقيل: القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل: القلتان خمسمائة من، وقيل: القلة هي الجرة التي يقلها القوي من الرجال أي يحملها، وقال اليعمري : الصحيح أن القلتين خمسمائة رطل، خمس قرب كل قربة مائة رطل بالبغدادي. وقيل: ستمائة، وقيل: ألف، وهما بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا، هكذا قالوا وليس محررا; فإن الماء تختلف أوزانه، وفي المغني لابن قدامة : القلة هي الجرة، ويقع هذا الاسم على الصغيرة والكبيرة، والمراد من القلتين ها هنا من قلال هجر ، وهما خمس قرب كل قربة مائة رطل بالعراقي، فتكون القلتان خمسمائة رطل، هذا هو المشهور في المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وهو مذهب الشافعي ، وروى الأثرم عن أحمد أنهما أربع قرب، وحكاه ابن المنذر أيضا عن إمامه.

                                                قلت: وهجر التي تنسب إليها القلال قرية كانت ببلاد المدينة ، ويقال: هجر التي باليمن ، والأول أصح.

                                                [ ص: 119 ] قوله: "لم يحمل الخبث" بفتحتين أي لا يحتمل نجسا لضعف قوته، هذا تأويلنا وهم يقولون: معناه لم ينجس بملاصقة النجاسة ووقوعها فيه.

                                                وقال النووي : وأما قول المانعين من العمل بالقلتين: "إن معناه يضعف عن حمله" فخطأ فاحش من أوجه:

                                                أحدها: أن الرواية الأخرى مصرحة بلفظه وهي قوله: "فإنه لا ينجس".

                                                الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام كقولك: فلان لا يحمل الخشبة أي يعجز عن حملها لثقلها، وأما في المعاني فمعناه لا يقبله.

                                                الثالث: أن سياق الكلام يفسده; لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك.

                                                وأجيب بأن تأويل المانعين في الرواية التي لفظها "لم يحمل الخبث" صحيح؛ لأن المعنى لا يحتمل هذا الماء نجسا؛ لعدم قوته، كما يقال: فلان لا يحمل ألف رطل أي يضعف عنه، وتأويلهم إنما هو في هذه الرواية، وأما الرواية الأخرى فالجواب عنها أن العمل متعذر; للاختلاف الشديد في تفسير القلتين.

                                                وقال أبو عمر في "التمهيد": "وما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر; لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم; ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع".

                                                وقال ابن حزم : "وأما حديث القلتين فلا حجة لهم فيه أصلا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحد مقدار القلتين، ولا شك في أنه - عليه السلام - إذا أراد أن يجعلها حدا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها لما أهمل أن يحدها لنا بحد ظاهر، لا يحيل، وليس [هذا] مما يوجب على المرء ويوكل فيه إلى اختياره ولو كان ذلك لكانت كل قلتين -صغرتا أو كبرتا- حدا في ذلك".

                                                [ ص: 120 ] وأما الشافعي فليس حده في القلتين بأولى من حد غيره ممن فسرهما بغير تفسيره، وكل قول لا برهان له فهو باطل.

                                                والقلتان هو ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين صغرتا أم كبرتا، ولا خلاف في أن القلة التي تسع عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة، وليس [في هذا] الخبر ذكر لقلال هجر أصلا، ولا شك في أن بهجر قلالا صغارا وكبارا.

                                                فإن قيل: إنه - عليه السلام - ذكر قلال هجر في حديث الإسراء.

                                                قلنا: نعم، وليس ذلك بموجب أن يكون - عليه السلام - متى ذكر قلة فإنما أراد من قلال هجر ، وليس تفسير ابن جريج للقلتين بأولى من تفسير مجاهد الذي قال: هما جرتان. وتفسير الحسن كذلك أيضا.




                                                الخدمات العلمية