الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( أو سؤال مطلقا )

                                                                                                                            ش : يعني أن الحج لا يجب على من لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بالسؤال وقوله : مطلقا أي سواء كانت عادته السؤال ببلده أو لم تكن وسواء كانت العادة إعطاءه أو لم تكن ، أما إذا لم تكن عادته السؤال فلا خلاف أنه لا يجب عليه الحج ، وسواء كانت العادة إعطاءه أم لا ، وكذلك إذا كانت عادته السؤال ولم تكن العادة إعطاءه ففي هذه الثلاث صور لا إشكال في سقوط الحج ولا في منعه إذا لم تكن العادة إعطاءه ، سواء كانت عادته السؤال أم لا ; لأنه من الإلقاء بنفسه إلى التهلكة ، وأما إذا كانت العادة إعطاءه ولم تكن عادته السؤال فيختلف في خروجه على قولين الإباحة والكراهة نقلهما ابن رشد في سماع أشهب والأرجح منهما الكراهة كما سيأتي ونقلهما المصنف في التوضيح وابن عرفة وغيرهما ، وأما الصورة الرابعة وهي ما إذا كانت عادته في بلده السؤال ومنه عيشه والعادة إعطاءه ، فقال المصنف في توضيحه ومنسكه : إن ظاهر المذهب أنه لا يجب عليه الحج ويكره له الخروج وجزم به هنا وقال في الشامل : إنه المشهور وأقر في شروحه كلام المؤلف على إطلاقه وكذلك البساطي والشيخ زروق ولم ينبه عليه ابن غازي ( ( قلت ) ) ونصوص أهل المذهب التي وقفت عليها مصرحة بخلاف ذلك وأن الحج واجب على من عادته السؤال إذا كانت العادة إعطاءه قال القاضي عبد الوهاب في التلقين : فإن وجد الراحلة وعدم الزاد لم يلزمه إلا أن تكون عادته السؤال انتهى .

                                                                                                                            وله نحوه في المعونة وقال أبو إسحاق التونسي في أول كتاب الحج : ومن شأنه في موضعه السؤال وهو يقدر على المشي ، والسؤال في طريقه كما يسأل في بلده ولا يتعذر عليه فعليه فرض الحج ; لأنه مستطيع والقدر الذي يتسبب به في بلده غير معدوم في الطريق انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن الحاج في منسكه : وإن كانت المسألة عادته لزمه الحج انتهى .

                                                                                                                            وقال صاحب الطراز : أصحابنا يقولون : إذا كان ذلك معيشته في أهله كان استطاعة في حقه ووجهه أن من لا يقدر على حرفة من المساكين فالسؤال في حقه خفيف لأجل حاجته فإذا كان في أهله يسأل فسواء في حقه قطن أو ظعن ويلتحق ذلك بسائر الحرف التي تكتسب بها المعيشة انتهى .

                                                                                                                            قال ابن رشد في شرح المسألة الخامسة من سماع أشهب من كتاب الحج : وإن كان ممن يقدر على المشي من غير مشقة تفدحه وما يعيش به في بلده لا يتعذر عليه في طريقه من صناعة لا يعدمها أو سؤال لا يتعذر عليه فالحج واجب عليه انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن جماعة التونسي : ويلزم السائل الفقير إذا كانت العادة إعطاءه انتهى .

                                                                                                                            وقال الزهري في شرحه للقواعد الإسلامية : إن كان يستطيع المشي وعيشه في المقام لا يتعذر عليه في السفر أو كان عيشه بالتكفف وكان في رفقة لا يخشى الضيعة فيها وجب ذلك عليه انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن بشير وهل يجب على المتسائل ؟ أما إذا كانت عادته لا تختلف في وطنه وفي الطريق فيجب عليه إذا علم أنه يجد من يعطيه وحكى اللخمي قولين وهما منزلان على حالين فمن تساوت حاله لزمه كما قلنا ، ومن افتقر إلى ذلك من [ ص: 509 ] أجل الخروج لم يلزمه انتهى .

                                                                                                                            ( ( قلت ) ) كلام اللخمي يدل على أن القولين إنما هما فيمن ليس عادته السؤال ، فإنه قال في أول كلامه : وإن كان يستطيع المشي وعيشه في المقام من صناعة ولا يتعذر عليه عملها في السفر ، والعيش منها أو كان شأنه التكفف وكان سفره في . رفقة وجماعة لا يخشى الضيعة معهم وجب عليه الحج مع عدم الجميع يعني الزاد والركب ثم قال لما ذكر قول القاضي عبد الوهاب : من قدر على الوصول إلى البيت بغير تكلف بذلة يخرج بها عن عادته لزمه ذلك الشيخ ، أما الخروج عن عادته في المشي فغير مراعى ، وإن أراد السؤال والتكفف فيمن ليس شأنه فهو حسن ، واختلف فيمن يخرج يسأل الناس فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم : لا بأس بذلك ، وقال أيضا : لا أرى للذي لا يجد ما ينفق أن يخرج للحج ولا للغزو ويسأل يريد فيمن كان عيشه في المقام من غير مسألة انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن عسكر في عمدته : ويلزم معه معتاد المشي والسؤال إذا وجد من يعطيه انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير ومذهب مالك أن من كانت عادته السؤال في بلده وإن سأل في الطريق أعطى لا يعتبر في حقه القدرة على الزاد ويلزمه الحج بخلاف من لا يسأل الناس في بلده ، وإن كان إذا سأل في الطريق أعطى انتهى فهؤلاء كلهم لم يحكوا في وجوب الحج في هذه الصورة خلافا وأما ابن شاس فذكر في ذلك قولين صدر بالوجوب وعطف الثاني عليه بقيل ، ونصه ويجب على المتسائل إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه ، وقيل : لا يجب انتهى .

                                                                                                                            ومثله للقرطبي في تفسيره ، وأنكر ابن عرفة حكاية القول الثاني ، وسيأتي لفظه وتبع ابن شاس على التصدير بالوجوب ، وحكاية مقابله بقيل ابن جزي في قوانينه والقرافي والتادلي وابن عطاء الله وذكر ابن الحاجب بالقولين من غير ترجيح وقبلهما ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح وابن فرحون وصاحب الشامل ومن بعدهم ورجحوا القول بالسقوط وبعضهم صرح بتشهيره ، وكذلك شراح المختصر وقد علمت أن نصوص المذهب المتقدمة كلها مصرحة بأن المذهب خلاف ذلك .

                                                                                                                            ( فإن ( قلت ) ) قد قال المصنف في التوضيح وابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب : وفي السائل إن كانت العادة إعطاءه قولان ما نصه القولان روايتان روى ابن القاسم السقوط وزاد فيها الكراهة وهو ظاهر المذهب وأظهر من جهة المعنى ، وروى ابن وهب الوجوب .

                                                                                                                            ( ( قلت ) ) ما ذكراه عن ابن القاسم وابن وهب ذكره صاحب النوادر وغيره لكنه لم يصرح بأن ذلك فيمن كانت عادته السؤال ، ونصه ومن رواية ابن وهب ومختصر ابن عبد الحكم قيل فيمن يسأل ذاهبا وجائيا ولا نفقة عنده قال : لا بأس بذلك قيل له : فإن مات في الطريق ؟ قال : حسابه على الله ، قال في رواية ابن القاسم عنه ولا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون الناس وهم لا يقوون إلا بما يسألون وإنى لأكره ذلك لقول الله تعالى { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } انتهى بلفظه فليس في الرواية أن ذلك فيمن كانت عادته السؤال بل الرواية مجملة وفسرها الشيوخ بأن ذلك فيمن لم تكن عادته السؤال في بلده كما تقدم في كلام اللخمي حيث قال إثر كلام مالك في مختصر ابن عبد الحكم : لا أرى للذي لا يجد ما ينفق أن يخرج للحج ولا للغزو ويسأل الناس يريد فيمن كان في المقام من غير مسألة .

                                                                                                                            ولما ذكر الشيخ أبو الحسن الصغير الرواية المذكورة ذكر بعدها تفسير اللخمي وقال ابن رشد بعد كلامه المتقدم : وإن كان عيشه من غير السؤال وهو يقدر أن يتوصل إلى مكة بالسؤال فلا اختلاف في أن ذلك لا يجب عليه واختلف هل يباح له أو يكره ؟ فقيل : إن ذلك مباح وهو قول مالك في رواية ابن عبد الحكم وقيل : إن ذلك مكروه وهو قوله في سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات انتهى .

                                                                                                                            فجعل القولين اللذين أشار إليهما [ ص: 510 ] ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح فيمن ليس عادته السؤال وقبله ابن عرفة ونصه : وقدرة سائل بالحضر على سؤال كفايته بالسفر استطاعة ولا يجب على فقير غير سائل بالحضر قادر على سؤال كفايته في السفر ابن رشد اتفاقا ، وفي كراهته وإباحته روايتا ابن عبد الحكم وابن القاسم وإليه يرجع قول اللخمي ، واختلف فيمن يخرج يسأل فروى ابن عبد الحكم لا بأس به ، وقال أيضا : لا أرى لمن لا يجد ما ينفق خروجه لحج أو غزو ويسأل الناس اللخمي يريد فيمن كان في مقامه لا يسأل ونقل ابن شاس سقوطه عن معتاد السؤال ظانا وجود من يعطيه لا أعرفه انتهى كلام ابن عرفة بلفظه ، وظاهر كلامه في التوضيح أن القولين اللذين ذكرهما ابن رشد غير القولين اللذين ذكرهما ابن الحاجب وليس كذلك كما علم مما تقدم إذا علمت ذلك فقد ظهر لك صحة ما ذكرته من أن نصوص المذهب مصرحة بأن الحج واجب في هذه الصورة ، وجميع من تقدم ذكره من شيوخ المذهب وأعيان الحفاظ لنصوصه الذين لم ينقلوا في لزوم الحج خلافا فهموا رواية ابن القاسم على أنها فيمن ليست عادته السؤال وإلا فمن البعيد عادة أنهم لم يطلعوا عليها أو اطلعوا عليها وفهموا أنها فيمن عادته السؤال وجزموا بخلافها ولم ينبهوا عليها ، ومن البعيد عادة أيضا أن ابن عبد السلام والمصنف اطلعا على النصوص المتقدمة وفيها الرواية على خلاف ذلك ولم ينبها على ذلك وذلك ظاهر لمن تأمل وأنصف والله الموفق .

                                                                                                                            ( تنبيه ) حيث حرم الخروج لكون العادة عدم الإعطاء فقال صاحب المدخل يتعين على من علم بحالهم إعانتهم بما تيسر في الوقت ولو بالشربة والشربتين واللقمة واللقمتين ويعرفهم أن ما ارتكبوا محرم عليهم لا يجوز لهم أن يعودوا لمثله . وقال النووي في مناسكه : إنه يواسيهم ولا يوبخهم في خروجهم بلا زاد ولا راحلة ونص كلام صاحب المدخل إثر كلامه المتقدم في شرح قوله : لا بدين أو عطية ، وبعضهم لا يصل إليهم يعني الظلمة بنفسه ولا يقدر على التوصل إليهم بغيره فيخرج بغير زاد ولا مركوب فتطرأ عليه أمور عديدة كان عنها في غنى ، منها عدم القدرة على أداء الصلاة وهو متعد في ذلك ، ومنها عدم القدرة والوقوع في المشقة والتعب ، وتكليف الناس القيام بقوته وسقيه ، وربما آل أمره إلى الموت وهو الغالب فتجدهم في أثناء الطريق طرحى ميتين بعد أن خالفوا أمر الله تعالى في حق أنفسهم ، فمن علم بحالهم من أهل الركب في إثمهم وكذلك يأثم كل من أعانهم بشيء لا يكفيهم في أول أمرهم أو سعى لهم فيه إلا أن يعلم أن غيره يعينهم بشيء تتم به كفايتهم في الذهاب والعود فلا بأس إذن فإن لم يعلم ذلك حرم عليه الإعطاء لهم ; لأن ذلك سبب لدخولهم فيما لا قدرة لهم عليه من العطش والجوع والتعب والإفضاء إلى الموت وهو الغالب ; فيكون شريكا لهم فيما وقع بهم وفيما يقع من بعضهم من التسخط والضجر والسب وهذا بخلاف ما إذا كانوا في الطريق على هذه الحال فإنه يتعين على من علم بحالتهم إعانتهم بما تيسر في الوقت ولو بالشربة والشربتين واللقمة واللقمتين ويعرفهم أن ما ارتكبوا محرم عليهم لا يجوز لهم أن يعودوا لمثله انتهى والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية