الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
661 حديث ثان لعطاء الخراساني

مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، أنه قال : جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضرب نحره ، وينتف شعره ، ويقول : هلك الأبعد ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قال : أصبت أهلي وأنا صائم في رمضان ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ فقال : لا ، فقال : هل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ فقال : لا ، قال : فاجلس ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرق تمر ، فقال : خذ هذا فتصدق به ، فقال : ما أحد أحوج مني ، فقال : كله ، وصم يوما مكان ما أصبت .

[ ص: 8 ]

التالي السابق


[ ص: 8 ] هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة مرسلا ، وقد روي معناه متصلا من وجوه صحاح ، وقد ذكرناها في باب ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، إلا أن قوله في هذا الحديث : هل تستطيع أن تهدي بدنة ؟ غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح ، ولا مدخل للبدن أيضا في كفارة الواطئ في رمضان عند جمهور العلماء ، وذكر البدنة هو الذي أنكر على عطاء في هذا الحديث .

وأما ذكر الرقبة وذكر الصدقة بالعرق وسائر ما ذكرنا في هذا الحديث فمحفوظ من حديث أبي هريرة وحديث عائشة من راوية الثقات الأثبات ، والحمد لله .

وقد روى القاسم بن عاصم البصري - ويقال فيه التميمي ، ويقال الكلبي - وليس بشيء ، ويمكن أن يكون كليبا ، فكليب في تميم وكلب في قضاعة - وأين قضاعة من تميم ؟ فروى القاسم بن عاصم هذا عن سعيد بن المسيب ، أنه كذب عطاء الخراساني في حديثه هذا ، وعطاء الخراساني - عندي - فوق القاسم بن عاصم في الشهرة ، يحمل العلم والفضل ، وليس مثله عند أهل الفهم والنظر ممن يجرح به عطاء ويدفع ما رواه ، وقد اختلف على القاسم في حكايته تلك ، فروى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن علية ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن عاصم ، قال : قلت لسعيد بن المسيب : ما حديث حدثناه عنك عطاء الخراساني ؟ قال : ما هو ؟ قلت : في الذي وقع على امرأته في رمضان ، فذكر الحديث هكذا ، قال فيه حدثنا عنك عطاء الخراساني .

[ ص: 9 ] وروى أبو صالح ، عن الليث بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم ، أنه قال لسعيد بن المسيب : إن عطاء بن أبي رباح حدثني ، أن عطاء الخراساني حدث عنك في الرجل الذي أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أفطر في رمضان ، أنه أمره بعتق رقبة ، فقال : لا أجدها ، فقال : فاهد جزورا ، قال : لا أجدها ، قال : فتصدق بعشرين صاعا من تمر ، قال سعيد : كذب الخراساني ، إنما قلت : تصدق ، تصدق ، ففي هذه الرواية أن القاسم هذا قال لسعيد : إن عطاء بن أبي رباح حدثني أن عطاء الخراساني حدثه عنك ، وفي الرواية الأولى أن القاسم هذا قال لسعيد : ما حديث حدثناه عنك عطاء الخراساني ؟ وهذا اضطراب وباطل .

وروى حماد بن زيد هذا الخبر عن أيوب ، قال : حدثني القاسم بن عاصم ، قال : قلت لسعيد بن المسيب : إن عطاء الخراساني حدثني عنك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي واقع امرأته في رمضان بكفارة الظهار ، فقال : كذب ، ما حدثته ، إنما بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : تصدق تصدق فهذه مثل رواية خالد الحذاء .

وأما قول حماد بن زيد في حديثه ( هذا ) إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي واقع امرأته في رمضان بكفارة الظهار ، فإن الرواية الثابتة ، عن أبي هريرة من رواية ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي وقع على امرأته في رمضان بالكفارة على ترتيب كفارة الظهار .

هكذا رواه ابن عيينة ، ومعمر ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، ومنصور بن المعتمر ، وغيرهم ، عن ابن شهاب ، بإسناده على ترتيب كفارة الظهار .

[ ص: 10 ] ورواه مالك ، وأبو أويس ، وابن جريج ، عن ابن شهاب بإسناده المذكور على التخيير ، وقد ذكرنا ذلك كله في باب ابن شهاب من هذا الكتاب ، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، ويعيش بن سعيد ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي العوام ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا الحجاج بن أرطاة ، عن إبراهيم بن عامر ، عن سعيد بن المسيب ، وعن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قال : بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل ينتف شعره ، ويدعو ويله ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : مالك ؟ قال : قد وقع على امرأته في رمضان ، قال : اعتق رقبة ، قال : لا أجدها ، قال صم شهرين متتابعين ، قال : لا أستطيع ، قال : أطعم ستين مسكينا ، قال : لا أجد ، قال : فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه خمسة عشر صاعا من تمر ، فقال : خذ هذا فأطعمه عنك ستين مسكينا ، قال : يا رسول الله ، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا ، قال : كله أنت وعيالك ، وهكذا رواه الجمهور من أصحاب الزهري على هذا الترتيب .

وقال فيه معمر : قال الزهري : وإنما كان هذا رخصة له خاصة ، فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم ، لم يكن له بد من التكفير ، وقد ذكرنا ما للفقهاء في تأويل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه بأكل ذلك العرق من التمر هو وعياله ، وفي وجوب الكفارة عليه إذا أيسر - في باب ابن شهاب - بما يغني عن ذكره هاهنا .

وأما ذكر البدنة في هذا الحديث ، فهو موجود من حديث مجاهد وعطاء ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيها اضطراب ، ولا أعلم أحدا كان يفتي بذلك من أهل العلم إلا الحسن البصري ، فإنه قال : إذا لم يجد المجامع في رمضان - يعني عامدا غير معذور - رقبة ، أهدى بدنة إلى مكة ، وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن يزيد المعلم ، [ ص: 11 ] قال : حدثنا موسى بن معاوية الصمادحي ، قال : حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إني وقعت على أهلي في رمضان ، قال : بئسما صنعت ، أعتق رقبة ، قال : لا أجدها ، قال : انحر بدنة ، قال : لا أجدها ، قال : اذهب فتصدق بعشرين صاعا ، أو أحد وعشرين صاعا من تمر ، قال : لا أجد ، قال : فجئني أتصدق عنك ، قال : ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه مني ، قال : اذهب فكله أنت وأهلك .

ففي هذا الحديث أنه قال : انحر بدنة ، إذ قال : لا أجد رقبة ، وهكذا رواية عطاء .

وذكر البخاري في التاريخ ، قال : حدثنا ابن شريك ، قال : حدثني أبي ، عن ليث ، عن عطاء ، ومجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أعتق رقبة ، ثم قال : انحر بدنة

قال البخاري : ولا يتابع عليه ، قال البخاري : وقال عارم عن أبي عوانة ، عن إسماعيل بن سالم ، عن مجاهد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن محمد البرتي ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا هشيم ، عن إسماعيل بن سالم ، عن مجاهد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي افطر يوما في رمضان بكفارة الظهار .

[ ص: 12 ] وحدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا البرتي ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا هشيم ، أخبرنا ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد الخلال ، قال : حدثنا عبيد بن عبد الواحد البزار ، قال : حدثنا أبو الجماهر محمد بن عثمان ، قال : سمعت سعيد بن بشير يقول عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، أن الرجل الذي وقع على أهله في رمضان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلمان بن صخر ، أحد بني بياضة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدق .

قال أبو عمر :

أظن هذا وهما ، لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ثم وقع عليها ، لا أنه كان ذلك منه في رمضان ، والله أعلم

.



الخدمات العلمية