الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 269 ] قال البخاري - رحمه الله -:

                                378 385 - ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك - هو: الطيالسي -: ثنا بشر بن المفضل: ثنا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود

                                التالي السابق


                                وقد خرجه في موضع آخر من " كتابه " من طريق ابن المبارك ، عن خالد بن عبد الرحمن - وهو: ابن بكير السلمي البصري -: حدثني غالب القطان ، عن بكر المزني ، عن أنس ، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر.

                                وقد خرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل ، عن غالب ، ولفظه: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.

                                وخرجه البخاري في أواخر " الصلاة " كذلك.

                                وقد خرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الرحمن ، وقال: حسن صحيح.

                                وإنما ذكرت هذا ; لأن العقيلي قال: حديث أنس في هذا: فيه لين، ولعله ظن تفرد خالد به، وقد قال هو في خالد : يخالف في حديثه، وقد تبين [ ص: 270 ] أنه تابعه بشر بن المفضل على جلالته وحفظه.

                                وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث: " الحسن البصري " بين بكر وأنس ، وهو وهم -: قاله الدارقطني .

                                ومن تأول هذا الحديث على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم، فقد أبعد، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق، فكيف كانوا يجدون ثيابا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها؟

                                وقد روي عن أنس حديث يخالف هذا:

                                خرجه أبو بكر بن أبي داود في " كتاب الصلاة " له: ثنا محمد بن عامر الأصبهاني : حدثني أبي: ثنا يعقوب ، عن عنبسة ، عن عثمان الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الرمضاء، فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة فجعلها تحت قدميه ولم يجعل تحت جبينه ; لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت خفيفة في إتمام .

                                وقال: سنة تفرد بها أهل البصرة .

                                قلت: يشير إلى تفرد عثمان الطويل به عن أنس ، وهما بصريان، وعثمان هذا قد روى عنه شعبة وغيره، وقال أبو حاتم فيه: هو شيخ.

                                وأما من قبل عثمان فهم ثقات مشهورون، فعنبسة هو: ابن سعيد قاضي الري ، أصله كوفي، ثقة مشهور، وثقه أحمد ويحيى . ويعقوب هو: القمي ، ثقة مشهور - أيضا - وعامر هو: ابن إبراهيم الأصبهاني ، ثقة مشهور من أعيان أهل أصبهان ، وكذلك ابنه محمد بن عامر .

                                ولكن إسناد حديث بكر أصح، ورواته أشهر ; ولذلك خرج في " الصحيح " [ ص: 271 ] دون هذا. والله أعلم.

                                واستدل بعض من لم ير السجود على الثوب بما روى أبو إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا.

                                خرجه مسلم .

                                وفي رواية له - أيضا -: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا.

                                قالوا: والمراد بذلك أنهم شكوا إليه مشقة السجود على الحصى في شدة الحر، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم، فلم يجبهم إلى ما سألوا، ولا أزال شكواهم.

                                واستدلوا على ذلك: بما روى محمد بن جحادة ، عن سليمان بن أبي هند ، عن خباب ، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الحر في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا .

                                ويجاب عن ذلك: بأن حديث خباب اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فروي عنه، عن سعيد بن وهب ، عن خباب . وروي عنه، عن حارثة بن مضرب ، عن خباب .

                                وقد قيل: إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لم يرو عنهم غيره، وفي إسناده اختلاف كثير ; ولذلك لم يخرجه البخاري .

                                وأما معنى الحديث: فقد فسره جمهور العلماء بأنهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في شدة الحر، وطلبوا منه الإبراد بها، فلم يجبهم، وبهذا فسره رواة الحديث، منهم: أبو إسحاق وشريك .

                                [ ص: 272 ] وقد خرجه البزار في " مسنده " وزاد فيه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير.

                                وخرجه ابن المنذر ، وزاد في آخره: وقال: " إذا زالت الشمس فصلوا ".

                                وأما رواية من زاد فيه: " في جباهنا وأكفنا "، فهي منقطعة.

                                حكى إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين ، أنه قال: هي مرسلة.

                                يعني: أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خباب .

                                وعلى تقدير صحتها، فقد يكون شكوا إليه ما يلقونه من شدة حر الحصى في سجودهم، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه.

                                وأيضا فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حر الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل ; فإن ذلك لا يكره عند الشافعي ولا عند غيره ; لشدة الحر كما سبق.

                                فإن قيل: فحمله على هذا ترده أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر.

                                قيل: عنه جوابان:

                                أحدهما: أن ذلك كان قبل أن يشرع الإبراد بها، ثم نسخ، وقد روي من حديث المغيرة ما يدل على ذلك.

                                والثاني: أن شدة الحر في الصيف لا تزول في المدينة إلا بتأخر الظهر إلى آخر وقتها، وهو الذي طلبوه، فلم يجبهم إلى ذلك، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير، ولا تزول به شدة حر الحصى.

                                وقد قيل: إنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر، فأمرهم [ ص: 273 ] بالصبر في الله.

                                وقد روى قيس بن أبي حازم ، عن خباب هذا المعنى صريحا، وبهذا فسره علي ابن المديني وغيره.

                                والصحيح الأول. والله أعلم.



                                الخدمات العلمية