الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن استنجى بجلد مدبوغ ففيه قولان ، قال في حرملة : لا يجوز لأنه كالرمة ، وقال في الأم : يجوز لأنه إن كان لينا فهو كالخرق ، وإن كان خشنا فهو كالخزف وإن استنجى بجلد حيوان مأكول اللحم مذكى غير مدبوغ ففيه قولان ، قال في الأم وحرملة : لا يجوز ; لأنه لا يقلع النجو للزوجته ، وقال في البويطي : والأول هو الصحيح المشهور ) .

                                      [ ص: 141 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) حاصل ما ذكره ثلاثة أقوال .

                                      ( أصحها ) عند الأصحاب يجوز بالمدبوغ دون غيره ، وهو نصه في الأم .

                                      ( والثاني ) يجوز بهما قاله في البويطي .

                                      ( والثالث ) لا يجوز بواحد منهما ، قاله في حرملة ، وحكى إمام الحرمين طريقا آخر وهو القطع بنصه في الأم ، وتأويل الآخرين ، ودليل الجمع ذكره المصنف ، ثم لا فرق في المدبوغ بين المذكى والميتة ، لأنهما طاهران قالعان ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، وفيه وجه أنه لا يجوز بجلد الميتة المدبوغ وإن جاز بالمدبوغ المذكى تفريعا على قولنا : لا يجوز بيعه ، حكاه جماعة منهم الماوردي عن أبي علي بن أبي هريرة وليس بشيء . هذه طريقة الأصحاب كلهم إلا المتولي فإنه انفرد بطريقة غريبة فقال : إن كان جلد مذكى واستنجى بالجانب الذي يلي اللحم فهو كما لو استنجى بمطعوم ; لأنه مما يؤكل في الجملة ، وإن استنجى بالجانب الذي عليه الشعر - وشعره كثير - جاز ، وإن كان الجلد مدبوغا ، وهو جلد مذكى جاز ، وإن كان جلد ميتة فقولان بناء على أن الدباغ هل يطهر باطن الجلد أم لا ، والله أعلم . فإن قيل : الجلد مأكول ، فكيف جوزتم الاستنجاء به ؟ فالجواب ما أجاب به الأصحاب أنه غير مأكول عادة ولا مقصود بالأكل ، ولهذا جاز بيع جلدين بجلد ، والله أعلم . [ ص: 140 ] وقول المصنف : كالرمة هي - بكسر الراء وتشديد الميم - وهو العظم البالي ، كذا قاله الشافعي في الأم وأصحابنا وغيرهم ، قال الخطابي : سميت العظام رمة ; لأن الإبل ترمها أي تأكلها ، وإنما قاس المصنف عليها لأن النص ثبت فيها ، كما سبق في الأحاديث ، والله أعلم .



                                      ( فرع ) في مسائل تتعلق بالفصل ( إحداها ) قال الشافعي رحمه الله في الأم والمختصر : " ولا يستنجي بحجر قد استنجى به مرة إلا أن يكون طهر بالماء " واتفق الأصحاب على أنه إذا استنجى بحجر ثم غسل ويبس جاز الاستنجاء به ثانية ، فإن غسل ويبس جاز ثالثة ، وهكذا أبدا ، ولا يكره ذلك كما لا يكره أن يصلي في الثوب مرات ، بخلاف رمي الجمار في الحج ، فإنه يكره أن يرمي بحصاة قد رمى بها هو أو غيره ; لأنه جاء أن ما تقبل منها رفع ، وما لم يتقبل ترك ، ولأن المطلوب تعدد المرمي به ، ولو غسله ثم استنجى به - والماء باق عليه - لم يصح ، فإن انبسطت النجاسة تعين الاستنجاء بالماء وإلا فقد قال إمام الحرمين : كان شيخي يقول : يتعين الماء أيضا لأن ذلك البلل ينجس بملاقاة النجاسة فيصير في حكم نجاسة أجنبية فيتعين الماء . قال إمام الحرمين : ولي في هذا نظر ; لأن عين الماء لا تنقلب نجسا ، وإنما تجاور النجاسة أو تخالطها ، هذا كلام الإمام ، والمختار قول شيخه ، وهو مقتضى كلام غيره ، وإن غسله ولم يبق عليه ماء وبقيت رطوبة فوجهان حكاهما ابن كج والدارمي وصاحبا الحاوي والبحر وغيرهم . أصحهما : لا يصح الاستنجاء به ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والشيخ أبو محمد والقاضي حسين وصاحبا التتمة والتهذيب وآخرون . وحكى صاحب البيان عن الصيمري وجها ثالثا : إن كانت الرطوبة يسيرة صح وإلا فلا .



                                      ( فرع ) إذا استنجى بحجر فحصل به الإنقاء ثم استعمل حجرا ثانيا وثالثا ولم يتلوثا ففي جواز استعمالهما مرة أخرى من غير غسلهما وجهان ، حكاهما القاضي حسين وصاحبا التتمة والبحر ، أصحهما : يجوز لأنهما طاهران ، صححه الشاشي والرافعي ، وقطع به البغوي ، والثاني : لا يجوز لأنه تبعد سلامته من نجاسة خفيفة ، وقياسا على الماء المستعمل .



                                      [ ص: 141 ] فرع ) لو رأى حجرا شك في استعماله جاز استعماله ; لأن الأصل طهارته ، والمستحب تركه أو غسله ، ولو علم أنه مستعمل ، وشك في غسله لم يجز استعماله لأن الأصل بقاء النجاسة عليه .



                                      ( فرع ) قال الماوردي : إذا جف ورق الشجر ظاهره وباطنه أو ظاهره ، جاز الاستنجاء به إن كان مزيلا ، وإن كان ندي الظاهر ففيه الوجهان في الحجر الندي .

                                      ( المسألة الثانية ) ورق الشجر الذي يكتب عليه والحشيش اليابسات . قال الماوردي وغيره : إن كان خشنا مزيلا جاز الاستنجاء به وإلا فلا .



                                      ( الثالثة ) نص الشافعي رحمه الله في البويطي ومختصر الربيع جواز الاستنجاء بالتراب . قال أصحابنا : أراد إذا كان مستحجرا تمكن الإزالة به ، فإن كان دقيقا لا تمكن الإزالة به لم يجزئ ; لأنه تعلق بالمحل . هكذا ذكره الجمهور منهم الماوردي والفوراني وإمام الحرمين ، ونقله الروياني عن أصحابنا ، وذكر المتولي والروياني وجها أنه يجوز بالتراب وإن كان رخوا ، للحديث السابق في الاستنجاء بثلاث حثيات من تراب ، وهذا الوجه غلط والحديث باطل ، فقد قدمنا أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمر بالحجر فلا يجزئ إلا الحجر وما في معناه ، وليس التراب الرخو في معناه ، قال القاضي حسين : فعلى هذا الوجه الضعيف يجب أربع مسحات ويستحب خامسة للإيتار ، وهذا كله ليس بشيء .



                                      ( الرابعة ) قال المحاملي وصاحبا البحر والبيان وغيرهم : قال الشافعي رحمه الله في حرملة : إذا نتف الصوف من الغنم واستنجى به كرهته وأجزأه . قالوا : وإنما كرهه لأن فيه تعذيب الحيوان ، فأما الاستنجاء بالصوف فليس بمكروه ، فإن أخذه من شاة بعد ذكاتها أو جزه في حياتها فلا كراهة .



                                      ( الخامسة ) نص الشافعي رحمه الله على جواز الاستنجاء بالآجر . قال أصحابنا : قاله على عادة أهل عصره بالحجاز ومصر ، أنهم لا يخلطون بترابه السرجين ، فأما ما خلط به فلا يجوز ، وقيل : بل علم بخلطه بالسرجين [ ص: 142 ] وجوزه ; لأن النار تحرق السرجين ، فإذا غسل طهر ظاهره ، وهذا الوجه ضعيف ، وسنذكر المسألة مبسوطة في آخر باب إزالة النجاسة حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى .




                                      الخدمات العلمية